صفحة 1 من 5 1 2 3 4 5 الأخيرةالأخيرة
عرض النتائج 1 إلى 15 من 62

الموضوع: هل تريد خطبة للجمعه ......تفضل مشكوراً

  1. #1
    الصورة الرمزية راعي العوجه
    تاريخ التسجيل
    06-08-2001
    العمر
    68
    المشاركات
    6,123
    معدل تقييم المستوى
    21

    افتراضي خطب على المنابر ......تفضل مشكوراً

    [align=center]

    بسم الله الرحمن الرحيم
    الصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

    على درب الخير نجتمع من جديد

    ومن منطلق أستفد وأفيد

    راودتني فكرة خير ..........عزمت على تنفيذها

    وهي أن أضع بين أيديكم خطب لصلاة الجمعه لكي نختصر الطريق على من أراد أن يخطب للجمعه

    ومن أراد المشاركه فمرحباً به

    وعلى طريق الدعوة والخير نسير

    (( الدال على الخير كفاعله ))

    وفقنا الباري وإياكم



    [align=center]ألفية القاموس............... خاص لــ(( كل معرس وعروس)) [/align][/align]
    التعديل الأخير تم بواسطة هب النسيم ; 21-03-2006 الساعة 12:14 AM سبب آخر: بطلب من الكاتب الكريم

  2. #2
    الصورة الرمزية وحيــــد
    تاريخ التسجيل
    18-03-2005
    المشاركات
    276
    معدل تقييم المستوى
    10

    افتراضي

    أعانك الله وأثابك أخي راعي العوجه

    ونحن معك إن كان هناك استطاعة إن شاء الله
    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من سلك طريقا يلتمس فيه علما، سهل الله له به طريقا إلى الجنة).

  3. #3
    الصورة الرمزية راعي العوجه
    تاريخ التسجيل
    06-08-2001
    العمر
    68
    المشاركات
    6,123
    معدل تقييم المستوى
    21

    افتراضي

    [align=center]
    أمسك عليك لسانك

    (ابن حميد)

    الحمد لله المحمود على كل حال ، و نعوذ بالله من حال أهل الضلال . أحمده سبحانه و أشكره و أسأله المزيد من فضله و كرمه و التوفيق في الحال و المآل . و أشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له ، و أشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده و رسوله ، كريم المزايا و شريف الخصال ، صلى الله و سلم و بارك عليه و على آله و صحبه خير صحب و آله ، و التابعين و من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .

    أما بعد :

    أيها المسلمون : يقول الله تبارك و تعالى في وصف المؤمنين من عباده : " وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين "

    اللغو أيها المسلمون : خوض في باطل ، و تشاغل بما لا يفيد . أمر الله سبحانه بالإعراض عنه ، و نهى عن الوقوع فيه ، ففيه مضيعة للعمر في غير ما خلق الإنسان لأجله . إنه مخلوق لعبادة ربه ، و الخلافة في هذه الأرض بالعمل المثمر الصالح ، و الحياة النافعة الجادة .

    من أجل هذا كان البعد عن اللغو و الإعراض عنه من دلائل الكمال و الفلاح ، لقد ذكره الله سبحانه بين فريضتين من فرائض الإسلام المحكمة ، ذكره بين فريضتي الصلاة و الزكاة ، فقال عز شأنه : " قد أفلح المؤمنون * الذين هم في صلاتهم خاشعون * والذين هم عن اللغو معرضون * والذين هم للزكاة فاعلون".

    أيها المؤمنون اللغو في شتى صوره : خوض في باطل ، و تحدث بالمعاصي ، و ترويج للفواحش ، و تتبع للعورات ، و تندر بالناس ، و انتقاص و سخرية بهم. و نصيب النساء في ذلك راجح . فليتق الله كل مؤمن و مؤمنة ، فويل لكل همزة لمزة . وويل لكل حلاف مهين هماز مشاء بنميم .

    أيها المسلم : لو نظرت فيما يشغل الناس في فراغهم و غير فراغهم لرأيت ما يروع من لغو الحديث و العمل . ألا يروعك أن تجد القصص المنشورة، و الصحف المشهورة ، و الكلمات المذاعة ، و الصور المبثوثة . إنها في أغلبها لغو . . تنشغل به الأعين ، و تمتلئ به الآذان ، و تلوكه الألسن .

    و إن من أعظم ما تنشغل به الكافة من صنوف اللغو . . الكذب و النميمة و شهادة الزور و الغيبة ، و السباب ، و الشتائم ، و اللعن و القذف ، و التقعر في الكلام و التشدق فيه من أجل التعالي و استدرار المديح .

    بل إن في الناس من يعيش صفيق الوجه ، شرس الطبع ، لا تحجزه مروءة ، و لا يردعه دين أو أدب . . جرد لسانه مقراضاً للأعراض بكلمات تنضح فحشاً ، و ألفاظ تنهش نهشاً ، يسرف في التجني على عباد الله بالسخرية و اللمز . . فهذا طويل و ذاك قصير و هذا أحمق و ذاك جهول ، و كأنه قد وكل إليه تجريح عباد الله .

    أما سمع قول الله عز و جل : " سنكتب ما قالوا " .

    و قوله عز من قائل : " ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ".

    و يزداد الأمر و تعظم البلية حين ترى من عليه علامات الوقار ، و ملامح الاحتشام ، و سيما الوجاهة ، و هيئات العلماء ، يسفر عن بذاء و ثرثرة . . يصم الخوض في الباطل أذني جليسه . . لا يدع لأصحاب فضل فضلاً . . يحمل عليهم الحملات الشعواء أحياء و أمواتاً لزلة لسان أو سبق قلم . هلا حجزه عن عيوب الناس مال يعلم من عيوب نفسه ؟ طوبى لمن ملك لسانه ، و أنفق الفضل من ماله ، و أمسك الفضل من قوله .

    أيها المسلمون : إن فضلاء الرجال و عظماءهم . . إذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه ، فلا تبدر منهم لفظة نابية ولا عبارة ناشزة . و لا انتصار للنفس ، وإذا ضمه مجلس مع أمثال هؤلاء اللاغبين لا يفقد خلقه مع من لا خلاق له ، و لو أنه شغل بتأديب كل جهول لأعيته الحيل .

    عباد الله : من أجل البعد عن اللغو ، وأخذ النفس بالأدب ، و الالتزام بالفاضل من القول و العمل ، ينبغي ملاحظة أمور منها : تجنب كثرة المزاح والإفراط فيه، فهو يسقط الوقار ، و يورث الضغائن ، و يولد الأحقاد ، أما اليسير منه الباعث على الانبساط و انشراح النفس فلا بأس به . فقد كان عليه الصلاة و السلام يمزح و لا يقول إلا حقاً ، و ينبغي أخذ النفس بكظم الغيظ ، و العفو عن المسيء ، و الإعراض عن الجاهل . و كيف يكون الإنسان كريماً ذا خلق و هو لا يقيل عثرة ، و لا يدمح زلةً ، و لا يقبل معذرةً ؟ و لا بد من اجتناب الجدل ، و سد أبواب المراء ، و لو كان في حق ، فإن من كثر كلامه قل في الناس احترامه .

    وجماع ذلك كله في حفظ اللسان ففيه الخير و فيه السلامة . و لا يذهب الرشد إلا مع كثرة الكلام والثرثرة . و إذا لم يملك الإنسان نفسه كان فمه مدخلاً لكل ما يعاب ، فتتلوث السيرة ، و يغلظ الحجاب على القلب .

    سأل سفيان بن عبد الله الثقفي نبي الله محمداً صلى الله عليه و سلم ما أخوف ما تخاف علي ؟ فأخذ بلسانه و قال : هذا .
    و قال عليه الصلاة والسلام لمعاذ بن جبل : " ثكلتك أمك يا معاذ و هل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم" .

    إن اللسان حبل مرخي في يد الشيطان يصرف صاحبه كيف يشاء ، و إن المرء مخبوء تحت لسانه فإذا تكلم بان حاله . و لهذا يقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : و الله الذي لا إله إلا هو ليس شيء أحوج إلى طول سجن من لسان .

    بل إن جوارح الإنسان كلها مرتبطة باللسان في الاستقامة و الاعوجاج .

    روى الإمام الترمذي وغيره بإسناد حسن عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : " إذا أصبح ابن آدم فإن الأعضاء كلها تكفر اللسان ـ أي تخضع له ـ فتقول : اتق الله فينا فإنما نحن بك ، فإن استقمت استقمنا و إن اعوججت اعوججننا ".

    فاتقوا الله أيها المسلمون وأعرضوا عن اللغو و الجاهلين ، و اتقوا آفات اللسان، فمن كثر سقطه كثرت ذنوبه ، ومن كثرت ذنوبه فالنار أولى به كما قال عمر رضي الله عنه . و إن الرجل ليتكلم الكلمة ما يتبين فيها يزل فيها النار أبعد ما بين المشرق و المغرب كما أخبر بذلك المصطفى صلى الله عليه و سلم.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم :

    " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا * يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما ".

    نفعني الله و إياكم بهدي كتابه و بسنة نبيه محمد صلى الله عليه و سلم . أقول قولي هذا و أستغفر الله لي و لكم و لسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم .

    الخطبة الثانية

    الحمد لله يهدي إلى الطيب من القول و يهدي إلى صراط الحميد ، أحمده سبحانه و أشكره . و أشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له ، و أشهد أن محمداً عبده و رسوله أدبه ربه فأحسن تأديبه صلى الله عليه و على آله و صحبه ، و التابعين و من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .

    أما بعد :

    فاتقوا الله أيها المسلمون ، و احفظوا جوارحكم ، و صونوا أنفسكم عن سفيه الأقوال و الأفعال .

    واعلموا أنه لا بد من التمييز بين مداراة السفهاء و الإعراض عن الجاهلين، و بين إحقاق الحق و الرد على المبطلين .

    فالمداراة و الإعراض تعني : ضبط النفس أمام استفزازات الجهلاء ، وكفها عن الاستثارة لعوامل الغضب و الثأر . أما إحقاق الحق والرد على المبطلين : فهو دعوة ومجادلة بالتي هي أحسن ، و إظهار لعزة أهل الحق ، و تجنب لبلادة النفس و استكانتها . و هذا النوع مما يسوغ الخوض فيه ، بل قد يكون منه ما يحرم السكوت عليه . و هو باب واسع يشمل الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، وتعليم الجاهل ، وتنبيه الغافل ، و الدعوة إلى الله ، و ذكره ، و شكره و في كل ذلك يقول سبحانه : " لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما".

    و يقول سبحانه : " لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم وكان الله سميعا عليما * إن تبدوا خيرا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء فإن الله كان عفوا قديرا ".

    و أمر آخر أيها المسلمون لا بد من التنبه إليه في هذا المقام . ذلك أنه ينبغي للمؤمنين إذا ضمهم مجلس ألا يخلو من ذكر الله فإن نبيكم محمداً صلى الله عليه وسلم يقول : " ما من قوم يقومون من مجلس لا يذكرون الله فيه إلا قاموا عن مثل جيفة حمار وكان لهم حسرة " . أخرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه .

    ولفظ الترمذي : "ما جلس قوم مجلساً لم يذكروا الله فيه ولم يصلوا على نبيهم صلى الله عليه و سلم إلا كان عليهم ترة".

    و لهذه المجالس كفارة أرشد إليها النبي صلى الله عليه و سلم في قوله : " من جلس مجلساً فكثر فيه لغطه فقال قبل أن يقوم من مجلسه : سبحانك اللهم و بحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك و أتوب إليك إلا غفر له ما كان في مجلسه ذلك ".





    [align=center]ألفية القاموس............... خاص لــ(( كل معرس وعروس)) [/align][/align]

  4. #4
    الصورة الرمزية راعي العوجه
    تاريخ التسجيل
    06-08-2001
    العمر
    68
    المشاركات
    6,123
    معدل تقييم المستوى
    21

    افتراضي

    [align=center]
    داء الشباب

    (( سعود الشريم ))

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله .
    { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون (102)آل عمران} .أما بعد

    أيها الناس : لقد أشرق الإسلام بآدابه وتعاليمه الخالدة، فأقر كل خير وُجد في الأخلاق الأصلية، وغسلها مما علق بها خلال القرون من الأوضار الدخيلة، ثم أكملها بما أوحى به رب السموات والأرض إلى نبيه صلوات الله وسلامه عليه، تحقيقاً لقول الله عز وجل : { يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا(45)وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا(46)الأحزاب} . فبعثه الله عز وجل لحفظ مصالح الخلق ومقاصدهم، وسد كل كل ذريعة تخدش دينهم، أو تهز كيانهم، ولذا فقد أجمع الأنبياء والرسل قاطبة على الديانة بالتوحيد في مللهم، وعلى حفظ المال والنفس والنسب وحفظ العقل والعرض، فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول فهو مصلحة، ودفعها مصلحة، ولأجل هذا شرع الله الجهاد لحفظ الدين، والقصاص لحفظ النفس، وحد المسكر لحفظ العقل، وحد الزنى لحفظ العرض، وحد السرقة لحفظ المال، وعقد النكاح لحفظ النسب .
    أيها المسلمون : لقد ثبت عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : كان النكاح في الجاهلية على أربعة أنحاء :
    - نكاح الناس اليوم : يخطب الرجل إلى الرجل وليته أو ابنته ، فيصدقها ثم ينكحها.
    - ونكاح لاستبضاع : كان الرجل يقول لامرأته إذا طهرت من حيضها : أرسلى إلى فلان فاستبضعي منه "أي أطلبي منه الجماع" ويعتزلها زوجها، حتى يتبين حملها ، فإذا تبين حملها أصابها إذا أحب، وإنما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد.
    - ونكاح آخر : يجتمع الرهط على المرأة، فيدخلون كلهم يصيبها، فإذا حملت ووضعت ومر عليها ليال، أرسلت إليهم، فلم يستطيع رجل منهم أن يمتنع، حتى يجتمعوا عندها فتقول لهم : قد عرفتم ما كان من أمركم. وقد ولدت، فهو ابنك يا فلان، تسمي من أحبت باسمه فيلحق به ولدها، لا يستطيع أن يمتنع منه الرجل.
    - ونكاح رابع : يجتمع ناس كثير، فيدخلون على المرأة، لا تمتنع ممن جاءها، وهن البغايا، ينصبن على أبوابهن رايات تكون علماً، فمن أرادهن دخل عليهن ، فإذا حملت إحداهن ووضعت، جمعوا لها، ودعوا لها القافة "وهم الذين يشبهون الناس" ثم ألحقوا ولدها بالذي يرون ، فالتاط به "أي إلتصق به وثبت النسب بينهما" ودعى ابنه لا يمتنع منه الرجل . فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم هدم نكاح الجاهلية كله، إلا نكاح الناس اليوم [ رواه البخاري ] .

    أيها المسلمون : النكاح عبادة يستكمل بها المسلم نصف دينه، ويلقى بها ربه على أحسن حال من الطهر والعفاف، وفي كثرة النسل من المصالح الخاصة والعامة، ما يساعد الأمة على تكثير سواد أفرادها، وقد قال صلى الله عليه وسلم : ( تزوجوا الولود الودود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة ) [رواه أبو داود والنسائي وغيرهما]، وقديماً قيل : إنما العزة للكاثر .
    ولا تزال هذه حقيقة قائمة لم يطرأ عليها ما ينقضها .

    أيها الناس : إن في البلاد المسلمة اليوم، مشكلة من أعضل المشاكل وأعمقها أثراً في حياة الأمة المسلمة، إنها مشكلة الزواج، والتي تتلخص في كلمات، هي أن في المسلمين آلافاً مؤلفة من البنات في سن الزواج، لا يجدن الخاطب، والآفاً مؤلفة من الشباب لا يجدون البنات، أو لا يريدون الزواج .
    وهذه المشكلة الظاهرة، إن لم يتنبَّه إليها المسلمون، ويفتحوا لها طرق العلاج بالحلال فإنه لن يجد الشباب للوصول إلى حاجاتهم الغريزية إلا سلوك طريق الحرام، في نحو ما ذكرت عائشة رضي الله عنها أو يزيد، لأن من النتائج الحتمية الظهور والتي لا ينكرها عاقل مسلم، أن الفساد الخلقي سبب في قلة الزواج، وقلة الزواج سبب في الفساد الخلقي ، كما قال القائل :


    لـولا مشيبي ما جفا.......... لولا جــفاه لــم أشب


    إن الوقدة من ضرم الشهوة في أعصاب الشباب المسلم، هي داء الشباب في كل حين، ولطالما أرقت الكثيرين صغاراً وكباراً، ولطالما نفت عن عيون الكثيرين لذيذ العيش، ولطالما صدت عن دروسه التلميذ، وعن عمله العامل، وعن تجارته التاجر، وكل هذا طبيعي معقول، ولكن الذي لا يكون أبدأً طبيعياً ولا معقولاً، أن يحس الفتى والفتاة بهذا كله، في سن الشباب ثم يضطرهما المجتمع بأسلوبه على مختلف المحاور، إلى البقاء على العزوبية، والصدف عن الزواج، من حيث يشعر أو لا يشعر، وهذه هي المشكلة وهي مكمن الداء .
    ولربما كانت بعض المجتمعات، تقول للشباب بلسان حالها : اختر إحدى ثلاث، كلها شر، ولكن إياك إياك أن تفكر في الرابعة التي هي وحدها الخير، وهي الزواج ، وهذه الثلاث :
    إما الانطواء على النفس وعلى أوهام الشهوة، والتفكير فيها، وتغذيتها بالروايات الرخيصة، وأحلام اليقظة، ورؤى المنام، حتى ينتهي به الحال إلى الهوس، أو انهيار أعصابه، ولسان حاله يقول للمجتمع :
    "

    ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له.............. إيــاك إيــاك أن تبتـــل بالماء


    وإما اللجوء إلى طرق سرية خفية، لإبراز غلة الشهوة، والتي حرمها جمهور أهل العلم عملاً بقوله تعالى : { فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون المؤمنون 7} ] .
    وإما الاغتراف من حمأة اللذة المحرمة، وسلوك سبل الضلال، لتبذل فيها الصحة والشباب في لذة عارضة، ومتعة عابرة، ثم هو لا يشبع، بل كلما واصل واحدة، زاده الوصال نهماً، كشارب الماء المالح لا يزداد شرباً، إلا ازداد عطشاً .
    وهذا كله، نتيجة ما نحسه اليوم من جمود في حركة الزواج، حتى أصبحت العزوبة الممقوتة أصلاً لدى عدد من الشباب ليس بالقليل، والتي اتبعها بعد ذلك اضطراب الأقيسة الاجتماعية في طريقة اختيار القرينة، عندما يرغب الشاب في الحياة الزوجية، والزواج ينبغي ألا يكون قضاء وطر وإدراك شهوة فقط، ولكن ينبغي أن يكون امتداداً لأمة تحمل رسالة نبيها صلى الله عليه وسلم وبناء لأجيال تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر { والذين ءامنوا واتبعتهم ذريهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم الطور 21} .

    أيها المسلمون : لقد توصل كثير من الباحثين في مشكلة الزواج، إلى أسباب كثيرة، كانت سداً منيعاً في طريق من يريد الزواج، وهم وإن اختلفوا في عد تلك الأسباب، ما بين مقل منها ومكثر، إلا أن أهمها لا يخرج عن أسباب ثلاثة :
    أولُها : تلكم العادات الشنيعة، التي تُخْرب بيت الأب وبيت الخاطب معاً، وليس فيها نفع لأحد، وإنما هو التفاخر والتكاثر، والتسابق إلى التبذير والسرف، ولو سئل كثير من العزاب اليوم ما منعكم من الزواج؟ لكان جواب الكثير منهم في صوت واحد "غلاء المهور" الذي أدى بالناس إلى الازدواجية في الحياة، ففئام من الناس يعيشون كأنهم في عصر مضى، وفئام من الناس، كأنهم يعيشون في عصر لم يأت بعد، فكيف يلتقي الزوجان وبينهما عصر مديد، هو يعيش كفافاً وأهل الزوجة يعيشون إسرافاً، هو يريد الزواج وأهلها يريدون الفخر والمباهاة، جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إني تزوجت امرأة من الأنصار فقال له النبي صلى الله عليه وسلم على كم تزوجتها : قال : على أربع أواق "يعني مائة وستين درهماً" فقال له النبي صلى الله عليه وسلم على أربع أوراق !!!! كأنما تنحتون الفضة من عرض هذا الجبل ما عندنا ما نعطيك . الحديث" [رواه مسلم].

    وعندما يصل المجتمع المسلم إلى حد الرشد، فإنه لا يستطيع بطبيعة الحال، أن ينظر بعين الرضا، إلى التنافس الصبياني في غلاء المهور، وعشق الآثار، ومن أبى إلا ركوب رأسه في هذا المنحدر، فإن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن.
    وسبب آخر، من أسباب تلك المشكلة، يتمثل في قلة الدين، وتغيب العفاف، الذي أدى ببعض المجتمعات في كثير من البقاع -إلا من رحم الله- إلى قرار الاختلاط بين الجنسين، والذي أصبح وسيلة ناجحة لإطلاق عنان الغرائز، ليعيش الشباب لصوصاً على أعراض الناس، يكتفون باختلاس النظرة، واستجداء اللحظة، وسلوك مسالك الغش والتضليل، التي غفل عن خطرها كثير ممن حرم هداية الله .
    والسبب الثالث من أسباب تلك المشكلة، هو ما يردده بعض أرباب الأفكار اللقيطة، الذين ينفثون سمومهم عبر قنوات متعددة، يقررون من خلالها أن التبكير في الزواج عمل غير صالح، وضرب من التغرير بالمراهقين، وأنه لا ينبغي أن يغامر الفتى بعملية الزواج قبل التزود الكافي من التجارب.

    وفي ذلك قال قائلهم : لا قِبَلَ لي بهذا المعنِّي الذي يسمونه الزواج، فما هو إلا بيت ثقله على شيئين، على الأرض، وعلى نفسي، وأطفالي يلزموني عمل الأيدي الكثيرة، من حيث لا أملك إلا يدين اثنتين، وأتحمل منهم رهقاً شديداً، ومن ثم سيصبحون عالة على المجتمع، ومن الذي تعرض عليه الحياة سلامَها وأشواقها، في مثل رسالة غرام، ثم يدع ذلك كله ويتزوجها، فكأنه بذلك يسألها غضبها وخصامها، في نحو قضية من قضايا المحاكم، كل ورقة فيها تلد ورقة .
    وطبعي أن يكون لمثل هذا الصدى مريدون ومريدات، يضعون مثل هذه الترهات في مقام القداسة والتعظيم، حتى يقف بهم الأمر لأن يكون الواحد منهم خواراً جباناً، لا يستطيع أن يحمل أثقالاً مع أثقاله، ويستوطن العجز والخمول، فلا يكون إلا قاعد الهمة، رخو العزيمة .

    وكل شاب تلك حالُه، فهو حادثة ترتدف الحوادث وتستلزمها، ولا يأتي السوء إلا بمثله أو بأسوأ منه، فيشهد العَزَبُ على نفسه، أنه مبتلى بالعافية، مستعبد بالحرية، مجنون بالعقل، مغلوب بالقوة، شقيٌ بالسعادة .
    وما علم هؤلاء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ألجمهم بقوله : ( يا معشر الشباب من استطاع منكم الباء ة فليتزوج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء ) . [رواه الجماعة] . قال تعالى : { وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ(32)النور} وقال أبو بكر رضي الله عنه : "أطيعوا الله فيما أمركم به من النكاح يُنْجِز لكم ما وعدكم به من الغنى" .
    بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم .


    الخطبة الثانية


    الحمد لله حمداً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله . أما بعد

    أيها الناس : بالنكاح يلتم الشعث، وتسكن النفس، ويطمئن القلب، ويستريح الضمير من تعب التفكير، ويحصل الولد، ويعمر البيت، وتتم نعمة الله على الزوجين، ولن تكمل الرجولة حتى يتزوج الشاب، أما الذي لا زوجة له ولا ولد، فرحمته بالناس مفقودة، وشفقته عليهم غير موجودة، لا يهمه إلا بطنه وظهره، ولا يجمع من المال إلا ما يكفيه لحياته. هو عالة على أهله في صغره، وغير مأمول في كبره، إذا طال عمره فغير ملتفت إليه، وإذا مات فغير مبكي عليه ، ومن رغب عن النكاح فقد ترهب، وعنده يقف بعض نسل آدم ، ومن جهته تنقطع الأبوة والبنوة، فلا يذكر إلا بعلم علمه، أو مال ترك منه صدقة جارية.
    دخل الأحنف بن قيس على معاوية رضي الله عنه، ويزيد بين يديه، وهو ينظر إليه إعجاباً به فقال : يا أبا بحر ، ما تقول في الولد ؟ فعلم ما أراد فقال : يا أمير المؤمنين هم عماد ظهورنا، وثمر قلوبنا، وقرة أعيننا، بهم نصول على أعدائنا، وهم الخلف لمن بعدنا . فكن لهم أرضاً ذليلة، وسماء ظليلة إن سألوك فأعطهم، وإن استعتبوك فأعتبهم، لا تمنعهم رفدك، فيملوا قربك، ويكرهوا حياتك، ويستبطئوا وفاتك، فقال الله درك يا أبا بحر ، هم كما وصفت .
    هذا وصلوا رحمكم الله على خير البرية وأزكى البشرية جمعاء، محمد بن عبدالله بن عبد المطلب سيد المرسلين، وإمام الغر المحجلين، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .




    [align=center]ألفية القاموس............... خاص لــ(( كل معرس وعروس)) [/align][/align]

  5. #5
    الصورة الرمزية راعي العوجه
    تاريخ التسجيل
    06-08-2001
    العمر
    68
    المشاركات
    6,123
    معدل تقييم المستوى
    21

    افتراضي

    [align=center]
    إيذاء المسلمين في مرافقهم العامة

    (( عبدالله القعود ))

    الحمد لله العالم بما كان وما سيكون، أحمده تعالى لا يسأل عما يفعل وهم يُسألون، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له : {ليجزي الذين أساؤا بما عملوا ، ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى} ، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمد اً، عبده ورسوله، خير داع إلى بذل النفع وكف الأذى، صلى الله وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً .

    أما بعد - أيها المسلمون - لقد دعا الإسلام أهله إلى تبا دل المنافع، مالية أو بدنية ، قولية أو فعلية في ظل قوله سبحانه : {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان}، فشرع الإعانات المالية :كالصدقة، والقرض، والضيافة، والهدية، كما شرع إعانة المظلوم في ظلامته، وإعانة الأخرق في عمله، شرع استعمال القول اللين، والميسور والمعروف في المخاطبات، وما إلى ذلكم مما يكسب الود، وينمي المحبة ويقوي الصلات بين أفراد المسلمين.

    وكما دعا الإسلام إلى بذل النفع وتبادله بين المسلمين ، فقد نهي أشد النهي عن مضارة وإيذاء أحد من المسلمين في عرض أو بدن أو مال بقول أو بفعل .

    يقول صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم عن عائشة : "من ضار مسلماً ضاره الله، ومن شق على مسلم شق الله عليه". ويقول : "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يكذبه ولا يحقره ولا يخذله". ويقول أصدق قائل : {والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبيناً } ويقول تعالى مبينا لوناً من أشد ألوان الأذي وأقبحها وأبشعها : {ومن يكسب خطيئة أو إثماً ثم يرم به بريئاً فقد احتمل بهتاناً وإثماً مبيناً} .

    فاتقوا الله أيها المسلمون، وجانبوا الأعمال التي قد تلحق أضراراً بأحد المسلمين ، وائتوا لهم الشيء الذي تحبون أن يؤتوه لكم . واعلموا أنه لا ضرر أضر من مضارة من له حق آخر، بجانب حق الإسلام، كالوالدين والأرحام والمجاورين والمؤتمنين، وأنه لا ضر ر أبشع ولا أفظع من اعمال من يضار المسلمين في مرافقهم العامة، كمن يدخل في مجال التعليم والتأليف ما يُضارّ المسلمين في عقيدتهم، أو في مجال التقنين والتنظيم ما يخالف كتاب الله وسنة رسوله، أو في مجال المال والاقتصاد ما يُسبب الإطاحة بأخلاق المسلمين ، ورعي شؤونهم ، وتحقيق العدل بينهم .

    يقول صلى الله عليه وسلم "اتقوا اللاعنين؟"، قيل : وما اللاعنان ؟ قال : "الذي يتخلى في طريق الناس أو ظلمهم". ومفاد الحديث أن تلويث طريق المسلمين ومضارتهم فيها بحفر أو إلقاء قمامة أو نتن أو أحجار أو شواك أو نحو ذلكم يسبب لعن من فعلوا ذلك، ويغرس بعضهم في النفوس. فإذا كان هذا في من ألقى في الطريق قذرة سهلة الإزالة، فماذا سيحصل لمن ضاروا المسلمين في عقيدتهم ، وتحاكمهم وأخلاقهم ، واقتصادهم ، فإذا كان هذا الوعيد وهذا البغض واللعن لمن يضار المسلمين في مرافقهم العامة، فما أعظم والله وأكثر، أجر وثواب من نفعوا المسلمين فيها، وما أحقهم بالرضاء والحب والقبول . نعم - والله - ما أحقهم بذلك من الله ومن خلقه، ما أحقهم به في الدنيا والآخرة يقول تعالى : {إن الذين آمنوا وعملوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن وداً}.

    ويقول تعالى مبيناً شمول النفع في المرافق العامة ، وخطورة الإضرار فيها : {من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً ومن أحياها فكأنما أحياء الناس جميعاً} .

    فاتقوا الله أيها المسلمون ، وكونوا كما يريد الله منكم : خير الناس للناس ، ولا تضاروا أمة محمد فتصبحوا شر الناس للناس .

    أقول قولي هذا ، وأسال الله تعالى أن يبارك لنا في كتابه الكريم، وأن يجعلنا، من أهله إنه تعالى غفور رحيم .




    [align=center]ألفية القاموس............... خاص لــ(( كل معرس وعروس)) [/align][/align]

  6. #6
    الصورة الرمزية راعي العوجه
    تاريخ التسجيل
    06-08-2001
    العمر
    68
    المشاركات
    6,123
    معدل تقييم المستوى
    21

    افتراضي

    [align=center]
    تحريم الأنفس المعصومه

    (( أسامه الخياط ))

    أما بعد: فاتقوا الله عباد الله، واحذروا أسباب سخطه، وراقبوه.

    أيّها المسلمون، إنَّ سنَّةَ الطغيان وطريقَ العدوان واحدَةٌ في كلِّ زمان وفي كلِّ مَكان، إنها مسارَعةٌ إلى الشرِّ في كلِّ دروبه؛ تحقيقًا للأغراض وتوصُّلا للأطماع التي يسلُكون إلى بلوغِها كلَّ سبيل، ويركبون إليها كلَّ مَركب، وهم متَّصفون بأوصافِ مَن ذكرهم الله تعالى بقولِه سبحانه: لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاً وَلا ذِمَّةً وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُعْتَدُونَ [التوبة:10]، أي: لا يحفَظون في عبادِ الله حقَّ قرابةٍ، ولا يحفَظون عَهدًا، ولا يُبقون على أحدٍ لو كُتِب لهم الظهور، في جرأةٍ على الدّماء لا تعدِلها جرأة، استهانةٍ بالأنفس المعصومةِ التي حرَّم الله قتلَها إلاَّ بالحقّ لا تعدِلها استهانة. إنها سنّة قديمةٌ استنّها أحدُ ابنَي آدم حين سوّلت له نفسُه وزيّن له شيطانُه الاعتداءَ على أخيه وسفكَ دمِه ظلمًا وعدوانا وانسياقًا وراء الأطماعِ وتأثُّرا بسحرِ بريقها الخادعِ الذي يذهَب بالأبصار، ثم يكون مآله الخيبَة والخسران، وقد قصَّ الله نبأَ هذا العدوان في آياتٍ بيِّنات ليحَذِّر الخلقَ جميعًا من سلوكِ سبيل المعتدين كيلاَ ينزل بهم ما نزلَ بأولئك من أليمِ العذاب، فقال سبحانَه: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنْ الآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ [المائدة:27]، إلى أن قال سبحانَه: فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنْ الْخَاسِرِينَ [المائدة:30].

    ولا ريبَ أنَّ شرَّ ألوان الطغيانِ ـ يا عباد الله ـ وأخبثَ أنواع العدوان سفكُ الدّم الحرام المفضي إلى قتلِ مسلم حقَن الله دمَه وحرَّم ماله وعِرضه، كما جاء في الحديث الذي أخرجَه مسلم في صحيحه عن أبي هريرةَ أن رسولَ الله قال: ((كلُّ المسلم على المسلِمِ حرام؛ دمُه ومالُه وعِرضه)) الحديث؛ ولذا كانَ الاجتراءُ على قتلِه بغيرِ جِناية أو قِصاص محادّةً لله ورسولِه وارتكابًا لكبيرةٍ من كبائرِ الذّنوب، يبوء مقتَرِفها بذلك الإثم الذي بيَّنه الله سبحانه بقولِه: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء:93]، وبيَّن رسولُ الله عِظَم هذا الجرمِ بقولِه: ((والّذي نفسِي بيَدِه، لقَتلُ المؤمِنِ أعظمُ عند الله من زوالِ الدنيا)) أخرجه الترمذيّ في جامعه والنسائيّ في سننه بإسنادٍ صحيح، وأوضَحَ عمومَ عقوبَةِ قتلِ المؤمن بغير حقٍّ لكلّ من كان له مشاركةٌ فيه بقوله : ((لو أنّ أهلَ السماء وأهلَ الأرض اشتركوا في دمِ مؤمن لأكبَّهم الله في النار)) أخرجه الترمذيّ في جامعه والنسائيّ في سننه بإسناد صحيح. وأرشدَ إلى أنَّ المؤمنَ يظلُّ في سعةٍ مِن دينه وينتَفِع بصالح أعمالِه حتى إذا أَوبَق نفسَه بالقتل المحرَّم ذهبَت تلك السعةُ وضاقَت عليه صالحُ أعماله، فلَم تفِ بهذا الوِزر العظيم، فقال : ((لا يَزالُ المؤمن في فسحةٍ مِن دينه ما لم يُصِب دمًا حراما)) أخرجه البخاريّ في صحيحه؛ ولذا كان من صِفاتِ المؤمن الحقِّ وكريم سجاياه التي أَنشَأها في نفسِه إيمانٌ صَادِق سَلامتُه من الفَتك، كما جاء في الحديثِ الذي أخرجَه مسلِم في صحيحِه عن أبي هريرةَ أنَّ النبيَّ قال: ((الإيمانُ قَيدُ الفتك، لا يفتِك مؤمِن)).

    ويَندَرج في ذلك أيضًا قتلُ المعاهَد والمستأمَن من غير المسلمين، فقد توعَّد رسول الله من اجتَرَأ على قتلِه بقوله عليه الصلاة والسلام: ((من قتل معاهَدًا لم يرَح رائحةَ الجنّة، وإنَّ ريحَها ليوجد من مسيرةِ أربعين عامًا)) أخرجه البخاريّ في صحيحه.

    وإذا كان هذا الوعيدُ واردًا في قتل نفسٍ واحدة معصومةِ الدمِ بغيرِ حقٍّ فكيف بقتلِ يذهَب ضحيّتَهُ رِجالٌ ونِساء وشيوخٌ وأطفال ومَرضى وكلُّ بريءٍ لا جُرمَ لَه؟! لاَ جَرَم أن يكونَ الوعيدُ في حقِّ مقتَرفِه بالغًا مَبلَغًا عظيمًا من الشّدَّة، وأَن يكونَ الجزاءُ عليهِ كَذلك يومَ القِصاصِ العادِل، يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [النحل:111]، وكيفَ بِعدوانٍ يجمَع إلى سفكِ الدمِ الحرام تخريبًا وسعيًا إلى تَدمير مؤسَّساتٍ ومنشآت اقتصاديّةٍ هي من مالِ المسلمين الذي أفاءَ الله به على عبادِه ومنَّ به عليهم ليكونَ لهم عدّةً وزادًا ومَصدر خيرٍ ومَوردَ برّ وسبيلا إلى إحرازِ القوّة وطريقًا إلى استمرارِ نهضةِ الأمّة وبابًا إلى خدمةِ دين الله ونشرِ كتابه والذودِ عن شريعته؟!

    إنَّ مثلَ هذا العدوان الذي وقع على هذه البلاد ليبرأ إلى الله منه كلُّ مؤمن صادقٍ يحذَر الآخرة ويرجو رحمة ربه، ويدعو كلَّ من تلوّث بأرجاسِ هذا العملِ وأمثاله إلى التوبةِ إلى الله تعالى منه وإلى الحذرِ من اتِّباع خطوات الشيطان التي أمَر الله تعالى العبادَ جميعًا به حيث قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ [البقرة:208]، وأن يَربَأ بِنفسِه مِن أن يُتَّخَذ أداةً في يدِ أعداء دينه وخصوم وطنِه وأمّته، يبلغون بها ما يريدون من الشرِّ والأذى والفسادِ.

    وإنَّنا لنحمد الله تعالى على ما مَنّ به سبحانَه من توفيقِ إخواننا رجالِ الأمن إلى إحباطِ مسعَى أولئك الذين اقترفوا هذا الإثمَ أوبقوا أنفسَهم في هذا العدوان الذي لا يَستفيد منه سِوى أعداء الأمّةِ والمتربِّصين بالمسلمين الدوائر.

    ألا فاتقوا الله عباد الله، واحذَروا أسبابَ سخَطه، ومنها التورُّط في كبائِرِ الذّنوب، وفي الطليعة منها قتلُ النفس التي حرّم الله قتلَها إلا بالحق، وترفَّعوا عن الإثمِ في كلّ دركاته، واحذروا العدوانَ في مختَلف ألوانه؛ يَطِب عيشُكم، وتستقم أموركم، وتكونوا من الصّفوَة من عبادِ الرحمن الذينَ وصفهم سبحانَه بأشرفِ أَوصاف الكمالِ في آي الكتاب بقوله: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا الآية [الفرقان:68]، ثم جعَلَ خاتمةَ تلكَ الأوصاف الشريفةِ هذا الجزاءَ الضافيَ العظيم الذي ذكرَه سبحانه بقوله: أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلامًا خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا [الفرقان:75، 76].

    نفعنِي الله وإيَّاكم بهَديِ كتابِه وبِسنَّةِ نَبيِّه ، أَقول قولي هَذا، وأَستَغفِر الله العظيمَ الجلِيلَ لي ولَكم ولِسائرِ المسلِمين من كلِّ ذَنبٍ فاستَغفِروه، إنَّه هوَ الغفورُ الرّحيم.


    الخطبة الثانية


    الحمد لله وليّ المتقين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيّدنا ونبيَّنا محمّدًا عبد الله ورسوله سيّد الأوّلين والآخرين، اللهمّ صلّ وسلّم على عبدك ورسولك محمّد وعلى آله وصحبه.

    أمّا بعد: فيا عبادَ الله، إنَّ دائرةَ إراقةِ الدّماء المسلمةِ في دين الإسلام قد ضيَّقَها الله تعالى وجعَلَها درءًا لمفسدةٍ أكبر في حالِ ضرورةٍ بهدَف إقامةِ العدل بين الناس وبَثِّ الطمأنينة في نفوسِهم ورفعِ لِواء الأمن على ربوعِهم، كما جاء في الحديث الذي أخرجَه الشيخان في صَحيحيهما عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنهما أنّه قال: قال رسولُ الله : ((لا يحِلّ دَم امرئٍ مسلم إلا بإحدَى ثلاث: الثيِّبُ الزاني، والنفسُ بالنفس، والتارِك لدينِه المفارِقُ للجَماعة)). كما أهدَرَ دَمَ فريقٍ آخر، منهم من شقّ عصَا الطاعة وأراد تفريقَ جماعةِ المسلمين كما جاء في الحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه عن عَرفجة بن شريح أن النبيَّ قال: ((مَن أتاكم وأمرُكم جميعٌ ـ أي: مجتَمِع ـ على رجلٍ واحد يريدُ أن يشقَّ عصاكم أو يفرِّق جماعتكم فاقتُلوه))، وفي رواية: ((فاضربوا رأسَه بالسيف كائنا من كان))، ومن يَعيث في الأرض فسادًا بقطعِ الطريق ونحوِه على تفصيل مبسوطٍ في موضعه من كتبِ أهل العلم، فقال سبحانه: إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنْ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ [المائدة:33]، وقد جاءَتْ النصوصُ الصحيحة عن رسولِ اللهِ أيضًا بقتل الساحِرِ ومَن أتى ذاتَ محرَم أو وقع على بهيمَةٍ وبِقتلِ شارِب الخمرِ في المرَّةِ الرابعة ومرتَكِبِ كبيرةِ اللّواط، لكنّها ترجِع جميعُها إلى هذهِ الخِصال الثلاثِ التي جاءَت في حديثِ ابن مسعودٍ رضي الله عنهما كما بيَّنه الإمام الحافظ ابنُ رجب رحمه الله وغيرُه من أهل العلم بالحديثِ، وكلُّه مما يتِمُّ به قمعُ العدوان والحدُّ من الطغيان واستِتباب الأمن في ربوعِ المجتمَع وحِفظُ كيانِ الأمة أن تعصفَ به أعاصير الباطل أو تنالَ مِنه مكائِدُ الأعداء.

    ألا فاتَّقوا الله عبادَ الله، وصلّوا وسلِّموا على خاتم رسلِ الله محمد بنِ عبد الله، فقد أمركم بذلك الله فقال سبحانه: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56].

    اللّهمّ صَلّ وسلِّم على عبدِك ورسولِك محمّد، وارضَ اللّهمّ عن خلَفائه الأربعةِ...




    [align=center]ألفية القاموس............... خاص لــ(( كل معرس وعروس)) [/align][/align]

  7. #7
    الصورة الرمزية راعي العوجه
    تاريخ التسجيل
    06-08-2001
    العمر
    68
    المشاركات
    6,123
    معدل تقييم المستوى
    21

    افتراضي

    [align=center]
    صفحة صدق

    علي القرني

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادى له ، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير ، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله ، أرسله الله رحمة للعالمين ، فشرح به الصدور وأنار به العقول ، وفتح به أعيناً عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غلفا ، صلّى اللّه عليهِ وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسانٍ وسلم تسليماً كثيرا ، قال تعالى { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102) آل عمران} أما بعد

    عباد الله : اتقوا الله واعلموا أن المحن محك لا يخطئ ، وميزان لا يظلم ، يكشف عما في القلوب ، ويظهر مكنونات الصدور ، ينتفي معه الزيف والرياء ، وتنكشف معه حقيقة الصدق بجلاء ، إن المحن تطهير ليس معه زيف ولا دخل ، وتصحيح لا يبقى معه غبش ولا خلل ، إنها لتفتح في القلب منافذ ما كان ليعلمها المؤمن من نفسه لولا المحن ، قد يظن الإنسان في نفسه قبل المحن التجرد والنزاهة ، فإذا وقعت الواقعة تبين من بكى ممن تباكى ، تميز الغبش من الصفاء ، والهلع من الصبر ، والصدق من الكذب ، والثقة من القنوط ، عندها يدرك المرء بأنه بحاجة إلى تمحيص ومراجعة ، فمن الخير له أن يستدرك نفسه قبل أن يكون عبرة ويقع ضحية ، ليبتلي الله ما في صدوركم ، وليمحص ما في قلوبكم ، بالمحن تستيقظ الضمائر ، وترق القلوب ، وتتوجه إلى بارئها تضرع إليه وتطلب رحمته وعفوه ، معلنة تمام العبودية والتسليم الكامل له لا حول ولا قوة إلا به ، لا مهرب منه إلا إليه ، ما شاء كان وما لم يشاء لم يكن ، لا معقب لحكمه لا اله إلا هو .

    باقي فلا يفنى ولا يَبيدُ..............ولا يكونُ غيرَ ما يريدُو

    منفردٌ بالخــلـقِ والإرادةِ .......... حــاكــمٌ جــلَّ بـمـا أرادَ


    عباد الله : وصور المحن والمنح في السيرة كثيرة وجليلة ، وجديرة بالتملي والتأمل ، والحديث كما تعلمون بل كما تشعرون عن سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم وصحبه ، حديث تحبه وتجله النفوس المؤمنة ، تأنس به قلوب بالإيمان مطمئنة ، حبه في شغاف القلوب والأفئدة ، وتوقيره قد أشربت به الأنفس بأبي هــــو وأمي صلى الله عليه وسلم ، فهلم عباد الله لنتصفح ولنتفحص صفحة صدق بيضاء نقية ، لنرى من خلالها المحنة بكل صورها ، وبالصدق تُتَخطى ، لنعلم عِبَرَها وعظاتِها ، فقد ملئت عبراً وعظات ، وفكراً ونظرات ، دموعاً حرا وحسرات ، هجر الأقربين فيها شديد المضاضة ومع ذلك بارزٌ وظاهر ، وتزلف المناوئين والمنافقين فيها مشرئب زاخر ، صفحة ملئت بأحداثٍ تذرف منها الدموع ، وتخشع لها القلوب ، صفحة جسّدت الصدق والإخلاص والقدوة في الصبر على الضراء ، والشكر على السراء ، تطبيقاً عملياً ماثلاً للعيان
    إنها صفحة بُدئت باستنفار رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه ، لملاقاة من .. ؟ لملاقاة الروم ، يوم تحركوا بعسكرهم وفكرهم ودسائسهم { يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (8)الصف} إنه استنفار وأي استنفار ، في أيامٍ قائضة ، وظروفٍ قاسية ، في جهدٍ مضنٍ ونفقاتٍ باهضه ، استوى الثمار ، وطابت الظلال ، وعندها بدأ الامتحان ، لِيُسَطَّرَ في آيات الكتاب بإفاضة واستيعاب ، أفاضت آيات الله في أنباء الطائعين والمثِّبطين ، واستوعبت أنباء المخلصين والقاعدين ، فيالها من مشاهدَ وأحداثٍ تتنوع وتثير ، يجيء المعذَّرون ليؤذن لهم ويقعد الذين كذبوا الله ورسوله ، ويتولى الذين لم يجدوا ما يحملون علية بفيض دموعهم حزناً ألا يجدوا ما ينفقون ، ويُرجف المرجفون لا تنفروا في الحرِّ ، ونار جهنم أشدُ حراً لو كانوا يفقهون ، والساقط في الفتنة يقول أأذن لي ولا تفتني ، وفي الفتنة وقع فر من الموت وفي الموت وقع ، وآخرون يلمزون ، ويسخرون ، من المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جُهدهم ، فمنهم ظالم لنفسه ، ومنهم مقتصد ، ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ، ومنهم رجالٌ تخلفوا عن ركب المؤمنين لا عن شكٍ ولا عن نفاق ، لكن غلبتهم أنفسهم ، وأدركهم ضعفهم البشرى ، مع سلامة إيمانهم ومعتقدهم رضى الله عنهم وأرضاهم ، على رأس هؤلاء ، صحابي جليل ، مجاهد نحرير ، لن يبلغ ألفُ رجلٍ منا بالقول ما بلغه مرةً واحدة بالفعل ، لكنه بشر تبقى له بشريته غير معصوم ، لنقف مع صفحة من صفحات حياته ، صفحة تتضمن قصة الخطيئة ، وحقيقة التوبة ، أهي قول باللسان ، أم هي الندم الدافع لعمل الجوارح والأركان ، والتأثر البالغ في النفس والجنان ، صفحتُنا مثبتة في الصحيحين ، راويها صاحب المعاناة فيها ، فاسمع إليه عبدا لله ، تجد كلامه يدخل الأذُن بلى إذن ، أصغِ إليه وهو يتحدث عن نفسه ، وهو يخبرنا عن .. سوفَ .. كيف صنعت به .
    فيقول كعب : وقد تخلف عن تبوك ، وكان من خبري وقد تخلفت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تبوك ، أنى لم اكن قط أقوى ولا أيسر منى حين تخلفت عنه في تلك الغزوة ، والله ما اجتمعت عندي راحلتان قبلها قط ، ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يريد غزوةً إلا ورّى بغيرها ، حتى كانت تلك الغزاة ، في حرٍ شديد ، واستقبل سفراً بعيداً ومفازاً وعدواً كثيرا ، فجلّى للـمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم ، فاخبرهم بوجهته التي يريد ، والمسلمون مع رسول الله صلى الله عـــليه وسلم كثير لا يكاد يجمعهم كتاب ، فما رجل يريد أن يتغيب إلا ضن انه سيخفى مالم ينزل وحي الله فيه ، وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه ، يقول فطفقت اغدوا لكي أتجهز معهم فارجع ولم أقضِ شيئاً ، فأقول في نفسي أنا قادر عليه ، فلم يزل يتمادى بي حتى اشتد بالناس الجد ، وأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه ولم أقضِ من جهازي شيئاً ، فقلت سوفَ أتجهز بعده بيومٍ أو يومين ثم ألحقهم ، فغدوت بعد أن فصلوا لأ تجهز فرجعت ولم أقضِ شيئاً ، قال فلم يزل بي ذلك ، حتى أسرعوا وتفارط الغزو وفات ، وهممت أن أرتحل فأدركهم وليتني فعلت ، فلم يُقَدَّر لي ذلك ، ويأخذ ذلك من كعب مأخذه ، وتبلغ المحاسبة ذروتها .
    ولسان حاله يقول :

    ندمتُ ندامةً لو أَنَّ نفســـي.......... تُطاوعني إذاً لقطعتُ خمسي


    عباد الله : إن كعب رضي الله عنه يعيش كل يوم مع سوفَ ، وهذه والله ليست مشكلة كعب فحسب ، إنها مشكلة كبيرة في أمة الإسلام ، مشكلة التسويف ، استطاع الشيطان أن يلج إلينا من هذا الباب الواسع ونحن لا نشعر ، حال بيننا وبين كثير من الأعمال قد عزمنا على فعلها ، فقلنا سوف نعملها ثم لم نعمل ، كم من مذنب قال سوف أتوب فداهمه الموت ولم يتب ، كم باغٍ للخير عازم عليه وأدركه الموت ، ولم يستطع وحال بينه وبين الخير سوفَ ، كم من عازم على الخير سوَّفته .. سوفَ ، كم ساعٍ إلى فضيلة .. سوفَ .. ثبطته وقيدته ، فالحزم الحزم لتدارك الوقت ، وترك التسويف ، فإن سوفَ جندي من جنود إبليس ، فاطرح سوفَ وحتى فهما داءٌ دخيل .


    إذا كنت ذا رأي فكن ذاعزيمة ...........فـــــإن فــساد الرأي أن تترددا


    يقول كعب : فكنت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أحزنني أن لا أرى أسوة لي إلا رجلاً مغموساً عليه النفاق أو رجلاً ممن عذره الله من الضعفاء والذين لا يجدون ما ينفقون ، ولم يذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى بلغ تبوك ، فقال وهو جالس بين أصحابه ، ما فعل كعب ، فقال رجل من بنى سلمه ، يا رسول الله ، حبسه بُرداه ونَظَرَهُ في عِطْفَيهِ - يعنى إعجابه بنفسه - فقال معاذ وقد استنكر الأمر ، وهو يعلم من أخيه ما يعلم ، بئسَ ما قلت ، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرا ، فسكت صلى الله عليه وسلم ، أيها المسلمون إن معاذاً t لم يسعه السكوت وهـو يرى مَنْ يَنالَ مِنْ عِرضِ أخيه المسلم فبادر بالإنكار ، لم تغلبه المجاملة
    فيسكت كما يفعل البعض ، كيف يسكت وهو يعلم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم (( كل المسلم على المسلم حرام ، دمه وماله وعرضه ، من رد عن عرض أخيه ، رد الله عن عرضه وعن وجـهه النار يوم القيامة )) وهو يعلم أيضاً أن الساكت كالراضي ، والراضي كالفاعل ، فلينتبه .
    يقول كعب ، فلما بلغني انه توجه قافلاً حضرني همي ، حضره بثه وحزنه ، قال فطفقت أتذكر الكذب ، وأقول بماذا أخرج من سخط رسول الله صلى الله عليه وسلم غداً ، واستعنت على ذلك بكل ذي رأى من أهلي ، فلما قيل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أظل قادماً ، زاح عنى الباطل وعرفت أنْي لن أخرج منه أبداً بشيء فيه كذب فأجمعتُ صِدقهُ ، وياله من رأيٍ ، وقدم صلى الله عليه وسلم ، ثم جلس للناس ، وجاءه المخلفون يعتذرون إليه ويحلفون له ، فقبل منهم صلى الله عليه وسلم علانيتهم ووكل سرائرهم إلى الله ، وهذا هو منهجنا ، يقول كعب وجئته فلما سلمت عليه ، تبسم تبسم المغضَب ، ثم قال تعال ، فجئت أمشى حتى جلست بين يديه ، فقال ما خلَّفك يا كعب ، ألم تكن قد ابتعت ظهرك ، فقلت يا رسول الله ، والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا ، لرأيت أنى سأخرج من سخطه بعذر ، والله لقد أُعطيِتُ جَدلاً ، ولكنِّى والله لقد علمت أني لو حدَّثتك اليوم حديث كذبٍ ترضى به عنى ، ليوشكن الله أن يسخطك علىَّ ، ولإن حدثتكَ حديثَ صدقٍ تجد عليَّ فيه ، إني لأرجو فيه عفو الله ، والله يا رسول الله ما كان لي من عذرٍ ، والله ما كنتُ قطُّ أقوى ولا أيسر مِنِّي حين تخلفتُ عنك ، فقال صلى الله عليه وسلم ، أما هذا فقد صدق ، قُمْ حتى يقضى الله فيك ، صِدقٌ .. وضوحٌ .. صراحةٌ .. لا التواء ولا مراوغة ، علم كعب أن نجاته في الدنيا والآخرة إنما هي بالصدق ، وقد هُدِيَ وَوُفِقَ إلى الرشدِ والصوابِ ، والموفقُ من وفقه الله .

    يقول كعب : فقمت وسار رجال من بنى سلمه ، فاتبعوني فقالوا لي ، والله ما علمناك يا كعب قد أذنبت ذنباً مثل هذا ، أَوَ قَدْ عجزت أن تكون اعتذرت إلى رسول الله بما اِعَتذرَ إليه المخلفون ، قد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم لك ، يقول فوا لله مازالوا يؤنبونني ، حتى أردت أن أرجع فأكذَّبَ نفسي .عباد الله : ما أشدَّ خطر صديقِ السوء ، كاد يهلك كعب بسبب بنى عمومته ، الذين يظهرون بمظهر الناصح المشفق ، وهم يدفعون به إلى وادٍ سحيق من الهلاك ، هلك فيه جمع كبير من المنافقين ، إنها مقالة ويالها من مقالة ، كثيراً ما تتكرر في مجالسنا ، يتهمون الصادق بأنه طيبُ القلب غرٌ ، لا يحسن المراوغةَ ولا المخارجَ ، ويصفون الكاذبَ بالذكىِّ العبقريِّ ، كَبُرت كلمةً تخرج من أفواههم ، أرَأيت لهؤلاء عندما وصفوا الأمر لكعب بأنها أول كذبة ولا ضير منها ، وسيعقبها استغفار رسول الله صلى الله عـلـيه وسلـم بــعد ذلك ، وكل ذلك وسائل لتزيين الباطل ، يبهرجها قرينُ السوءِ من حيث شعرَ أو لم يشعر ، فلينتبه .


    َفمِنَ العَداوةِ مَا ينَالُكَ نفعُه......... وَمِــنَ الصـــَّداقَــةِ مَا يَضُرُّ وَيُؤلم




    [align=center]ألفية القاموس............... خاص لــ(( كل معرس وعروس)) [/align][/align]

  8. #8
    الصورة الرمزية راعي العوجه
    تاريخ التسجيل
    06-08-2001
    العمر
    68
    المشاركات
    6,123
    معدل تقييم المستوى
    21

    افتراضي

    [align=center]
    قصة الغلام مع ابو قدامه

    فهد سالم الحامد



    الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيداً ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده أنجز وعده ونصر عبده وهزم الاحزاب وحده وكان الله قوياً عزيزا وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيرا أما بعد
    أيها الناس : أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله ، قال تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } اتقوا الله واعرفوا نعمة الله عليكم بما أمد به جنده المخلصين الذين يجاهدون في سبيله من النصر العزيز والفتح المبين وهذه سنة الله التي لا تبديل لها فمن ينصر الله ينصره إن الله لقوي عزيز .

    عباد الله : كان بمدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل يقال له أبو قدامه الشامي، وكان قد حبب الله إليه الجهاد في سبيل الله والغزو إلى بلاد الروم ، فجلس يوماً في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحدث مع أصحابه، فقالوا له : يا أبا قدامه حدثنا بأعجب ما رأيت في الجهاد ؟ فقال أبو قدامه نعم إني دخلت في بعض السنين الرقة أطلب جملاً أشتريه ليحمل السلاح، فبينما أنا يوماً جالساً إذ دخلت علي امرأة فقالت: يا أبا قدامه سمعتك وأنت تحدث عن الجهاد وتحث عليه وقد رُزقتُ من الشَّعر ما لم يُرزقه غيري من النساء، وقد قصعته وأصلحت منه شكالا للفرس وعفرته بالتراب كي لا ينظر إليه أحد، وقد أحببت أن تأخذه معك فإذا صرتَ في بلاد الكفار وجالت الأبطال ورُميت النبال وجُردت السيوف وشُرعت الأسنّة، فإن احتجت إليه وإلا فادفعه إلى من يحتاج إليه ليحضر شعري ويصيبه الغبار في سبيل الله، فأنا امرأة أرملة كان لي زوج وعصبة كلهم قُتلوا في سبيل الله ولو كان عليّ جهاد لجاهدت . وناولتني الشكال.

    وقالت: اعلم يا أبا قدامه أن زوجي لما قُتل خلف لي غلاماً من أحسن الشباب وقد تعلم القرآن والفروسية والرمي على القوس وهو قوام بالليل صوام بالنهار وله من العمر خمس عشرة سنة وهو غائب في ضيعة خلفها له أبوه فلعله يقدم قبل مسيرك فأوجهه معك هدية إلى الله عز وجل وأنا أسألك بحرمة الإسلام، لا تحرمني ما طلبت من الثواب . فأخذت الشكال منها فإذا هو مظفور من شعرها . فقالت : ألقه في بعض رحالك وأنا أنظر إليه ليطمئن قلبي. فطرحته في رحلي وخرجتُ من الرقة ومعي أصحابي، فلما صرنا عند حصن مسلمة بن عبد الملك إذا بفارس يهتف من ورائي : يا أبا قدامه قف علي قليلاً يرحمك الله، فوقفت وقلت لأصحابي تقدموا أنتم حتى أنظر من هذا، وإذا أنا بفارس قد دنا مني وعانقني وقال: الحمد لله الذي لم يحرمني صحبتك ولم يردني خائباً. قلت للصبي أسفر لي عن وجهك، فإن كان يلزم مثلك غزو أمرتك بالمسير ، وإن لم يلزمك غزو رددتك، فأسفر عن وجهه فإذا به غلام كأنه القمر ليلة البدر وعليه آثار النعمة قلت للصبي: ألك والد ؟ قال : لا بل أنا خارج معك أطلب ثأر والدي لأنه استشهد فلعل الله يرزقني الشهادة كما رزق أبي. قلت للصبي: ألك والدة ؟ قال: نعم . قلت : اذهب إليها فاستأذنها فإن أذنت وإلا فأقم عندها فإن طاعتك لها أفضل من الجهاد ، لأن الجنة تحت ظلال السيوف وتحت أقدام الأمهات. قال : يا أبا قدامه أما تعرفني قلت: لا . قال : أنا ابن صاحبة الوديعة ، ما أسرع ما نسيت وصية أمي صاحبة الشكال ، وأنا إن شاء الله الشهيد ابن الشهيد، سألتك بالله لا تحرمني الغزو معك في سبيل الله، فإني حافظ لكتاب الله عارف بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عارف بالفروسية والرمي وما خلفت ورائي أفرس مني فلا تحقرني لصغر سني وإن أمي قد أقسمت على أن لا أرجع وقالت : يا بني إذا لقيت الكفار فلا تولهم الدبر وهب نفسك لله واطلب مجاورة الله تعالى ومجاورة أبيك مع إخوانك الصالحين في الجنة فإذا رزقك الله الشهادة فاشفع فيّ فإنه قد بلغني أن الشهيد يشفع في سبعين من أهله وسبعين من جيرانه، ثم ضمتني إلى صدرها ورفعت رأسها إلى السماء وقالت: إلهي وسيدي ومولاي هذا ولدي وريحانة قلبي وثمرة فؤادي سلمته إليك فقربه من أبيه . فلما سمعت كلام الغلام بكيت بكاءاً شديداً أسفاً على حسنه وجمال شبابه ورحمة لقلب والدته وتعجباً من صبرها عنه . فقال : يا عم مم بكاؤك ؟ إن كنت تبكي لصغر سني فإن الله يعذب من هو أصغر مني إذا عصاه . قلت : لم أبك لصغر سنك ولكن أبكي لقلب والدتك كيف تكون بعدك . وسرنا ونزلنا تلك الليلة فلما كان الغداة رحلنا والغلام لا يفتر من ذكر الله تعالى، فتأملته فإذا هو أفرس منا إذا ركب وخادمنا إذا نزلنا منزلا ، وصار كلما سرنا يقوي عزمه ويزداد نشاطه ويصفو قلبه وتظهر علامات الفرح عليه . فلم نزل سائرين حتى أشرفنا على ديار المشركين عند غروب الشمس فنزلنا فجلس الغلام يطبخ لنا طعاما لإفطارنا وكنا صياما ، فغلبه النعاس فنام نومة طويلة فبينما هو نائم إذ تبسم في نومه فقلت لأصحابي ألا ترون إلى ضحك هذا الغلام في نومه ، فلما استيقظ قلت : بني رأيتك الساعة ضاحكاً مبتسماً في منامك ، قال : رأيت رؤيا فأعجبتني وأضحكتني . قلت : ما هي . قال : رأيت كأني في روضة خضراء أنيقة فبينما أنا أجول فيها إذ رأيت قصراً من فضة شُرفه من الدر والجواهر، وأبوابه من الذهب وستوره مرخية ، وإذا جواري يرفعن الستور وجوههن كالأقمار فلما رأينني قلن لي : مرحبا بك فأردت أن أمد يدي إلى إحداهن فقالت : لا تعجل ما آن لك ، ثم سمعت بعضهن يقول لبعض هذا زوج المرضية ، وقلن لي تقدم يرحمك الله فتقدمت أمامي فإذا في أعلى القصر غرفة من الذهب الأحمر عليها سرير من الزبرجد الأخضر قوامه من الفضة البيضاء عليه جارية وجهها كأنه الشمس لولا أن الله ثبت علي بصري لذهب وذهب عقلي من حسن الغرفة وبهاء الجارية. فلما رأتني الجارية قالت : مرحبا وأهلا وسهلا يا ولي الله وحبيبه أنت لي وأنا لك فأردت أن أضمها إلى صدري فقالت : مهلا ، لا تعجل ، فإنك بعيد من الخنا ، وإن الميعاد بيني وبينك غداً بعد صلاة الظهر فأبشر . قال أبو قدامه : قلت له : رأيت خيراً ، وخيراً يكون ثم بتنا متعجبين من منام الغلام ، فلما أصبحنا تبادرنا فركبنا خيولنا فإذا المنادي ينادي: يا خيل الله اركبي وبالجنة ابشري ، انفروا خفافاً وثقالاً وجاهدوا . فما كان إلا ساعة ، وإذا جيش الكفر خذله الله قد أقبل كالجراد المنتشر، فكان أول من حمل منّا فيهم الغلام فبدد شملهم وفرق جمعهم وغاص في وسطهم ، فقتل منهم رجالاً وجندل أبطالاً فلما رأيته كذلك لحقته فأخذت بعنان فرسه وقلت: يا بني ارجع فأنت صبي ولا تعرف خدع الحرب . فقال : يا عم ألم تسمع قول الله تعالى { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمْ الْأَدْبَارَ(15) الأنفال } .

    أتريد أن أدخل النار ؟ فبينما هو يكلمني إذ حمل علينا المشركون حملة رجل واحد ، حالوا بيني وبين الغلام ومنعوني منه واشتغل كل واحد منا بنفسه . وقُتل خلق كثير من المسلمين ، فلما افترق الجمعان إذ القتلى لا يحُصون عددا فجعلت أجول بفرسي بين القتلى ودماؤهم تسيل على الأرض ووجوههم لا تعرف من كثرة الغبار والدماء ، فبينما أنا أجول بين القتلى وإذا أنا بالغلام بين سنابك الخيل قد علاه التراب وهو يتقلب في دمه ويقول : يا معشر المسلمين ، بالله ابعثوا لي عمي أبا قدامه فأقبلت عليه عندما سمعت صياحه فلم أعرف وجهه لكثرة الدماء والغبار ودوس الدواب فقلت : أنا أبو قدامه . قال : يا عم صدقت الرؤيا ورب الكعبة أنا ابن صاحبة الشكال ، فعندها رميت بنفسي عليه فقبلت بين عينيه ومسحت التراب والدم عن محاسنه وقلت : يا بني لا تنس عمك أبا قدامه في شفاعتك يوم القيامة . فقال : مثلك لا يُنسى ، لا تمسح وجهي بثوبك ثوبي أحق به من ثوبك ، دعه يا عم ألقى الله تعالى به ، يا عم هذه الحوراء التي وصفتها لك قائمة على رأسي تنتظر خروج روحي وتقول لي عجّل فأنا مشتاقة إليك ، بالله يا عم إن ردّك الله سالماً فتحمل ثيابي هذه المضمخة بالدم لوالدتي المسكينة الثكلاء الحزينة وتسلمها إليها لتعلم أني لم أضيع وصيتها ولم أجبن عند لقاء المشركين ، واقرأ مني السلام عليها ، وقل لها أن الله قد قبل الهدية التي أهديتها ، ولي يا عم أخت صغيرة لها من العمر عشر سنين كنت كلما دخلت استقبلتني تسلم علي ، وإذا خرجتُ تكون آخر من يودعني عند مخرجي ، وقد قالت لي بالله يا أخي لا تبط عنّا فإذا لقيتَها فاقرأ عليها مني السلام وقل لها يقول لك أخوك : الله خليفتي عليك إلى يوم القيامة ، ثم تبسم وقال أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له صدق وعده وأشهد أن محمداً عبده ورسوله هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله ، ثم خرجت روحه فكفناه في ثيابه ووريناه رضي الله عنه وعنا به. فلما رجعنا من غزوتنا تلك ودخلنا الرقة لم تكن لي همة إلا دار أم الغلام ، فإذا جارية تشبه الغلام في حسنه وجماله وهي قائمة بالباب وتقول لكل من مر بها : يا عم من أين جئت فيقول من الغزو، فتقول أما رجع معكم أخي فيقولون لا نعرفه ، فلما سمعتها تقدمت إليها فقالت لي : يا عم من أين جئت قلت من الغزو قالت : أما رجع معكم أخي ثم بكت وقالت ما أبالي ، يرجعون وأخي لم يرجع فغلبتني العبرة، ثم قلت لها يا جارية قولي لصاحبة البيت أن أبا قدامه على الباب ، فسمعت المرأة كلامي فخرجت وتغير لونها فسلمت عليها فردت السلام وقالت أمبشراً جئت أم معزياً . قلت : بيّني لي البشارة من التعزية رحمك الله. قالت: إن كان ولدي رجع سالماً فأنت معز، وإن كان قُتل في سبيل الله فأنت مبشر . فقلت : أبشري فقد قُبلت هديتك فبكت وقالت: الحمد لله الذي جعله ذخيرة يوم القيامة ، قلت فما فعلت الجارية أخت الغلام. قالت: هي التي تكلمك الساعة فتقدمت إلي فقلت لها إن أخاك يسلم عليك ويقول لك : الله خليفتي عليك إلى يوم القيامة ، فصرخت ووقعت على وجهها مغشياً عليها، فحركتها بعد ساعة ، فإذا هي ميتة فتعجبت من ذلك ثم سلمت ثياب الغلام التي كانت معي لأمه وودعتها وانصرفت حزيناً على الغلام والجارية ومتعجباً من صبر أمهما. قال المؤلف وقد ذكر الحافظ العلامة أبو المظفر بن الجوزي أنه حين بلغته هذه الحكاية جمع عنده من الشعور ما ظفره فكان منه ثلاثمائة شكال وتقدم ذلك في الباب الرابع والله الموفق للصواب .انتهى

    نسأل الله أن يعلي كلمته وينصر عباده ويعز دينه إنه على كل شئ قدير اللهم أعز الإسلام وانصر المسلمين في كل مكان ، اللهم من أرادنا بسوء وجميع المسلمين فاجعل تدبيره تدميراً عليه يارب العالمين
    اللهم صلى وسلم وبارك على آله وأصحابه ومن سار على منهجه و ألحقنا بهم في جناتٍ ونهر في مقعد صدقٍ عند مليكٍ مققدر .اللهم اصلح ولاة أمور المسلمين ووفقهم لما تحبه وترضاه ، وارزقهم البطانة الناصحة الصالحة يارب العالمين .اللهم اهدي شباب المسلمين وردهم إليك رداً جميلا اللهم وفق لمن جاهد لإعلاء كلمتك وانصره نصراً مؤزراً ، اللهم اجمع كلمة المسلمين على الحق وألف ذات بينهم وأصلح قلوبهم وردهم إليك رداً جميلا ،
    عباد الله : إن الله وملائكته ...، اللهم صلى....عباد الله : إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء .





    [align=center]ألفية القاموس............... خاص لــ(( كل معرس وعروس)) [/align][/align]

  9. #9
    الصورة الرمزية راعي العوجه
    تاريخ التسجيل
    06-08-2001
    العمر
    68
    المشاركات
    6,123
    معدل تقييم المستوى
    21

    افتراضي

    [align=center]
    الصحبة يا رسول الله

    لفضيلة الشيخ / سعود الشريم


    الحمد لله حمداً لا ينفد، أفضل ما ينبغي أن يحمد ، وصلى الله وسلم على أفضل المصطفين محمد، وعلى آله وصحبه ومن تعبد .أما بعد
    عباد الله : اتقوا الله حق التقوى، وراقبوه في السر والنجوى، فبتقوى الله عز وجل تجتمع الكلمة، وتتم النعمة، وتتجلى الحكمة .
    أيها المسلمون : إن في دنيا الناس، ذكريات لا يمل حديثها، ولا تسأم سيرتها، بل قد تحلو أو تعلو إذا أعيدت وتكررت، كما يحلو مذاق الشهد وهو يكرر، ومن الذكريات التي لا يمل حديثها، ولا تسأم سيرتها، حياة محمد صلى الله عليه وسلم إمام البشرية، وسيد ولد آدم فهي من الذكريات الغوالي ، التي تتجدد آثارها وعظاتها، كلما سلك المرء سبيله إلى الاعتبار والإدكار، والعبد المؤمن إذ يغشى معالم سيرته صلى الله عليه وسلم فهو كعابد يغشى في مصلاه، ومن حسن حظ المؤمن، أنه ما قلب سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم يوماً فأخطأ دمع العين مجراه، وفي أيام محمد الجليلة النبيلة أيام خوالد، ما تزال تتضوأ على الأيام. وتتألق في غرة الزمان، ولعل من أسطعها وأروعها، هو يوم الهجرة، الذي تهب علينا نسمات ذكراه، في كل عام من أعوام الزمن، ومن شواهد عظم حادث الهجرة أنه يزداد بهاء وسناء كلما تناوله العرض والبحث، كالذهب الإبريز، كلما عرضته على النار لتمحصّه، إزداد إشراقاً وصفاء، وهجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم كانت فاتحة الأمل، وبارقة النصر، وطريق العودة له ولأصحابه إلى مكة فاتحين ظافرين، كما قال تعالى : { الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ (85)القصص } . ،يعني إلى مكة .

    عباد الله : إننا هنا، نعرض لمحات من هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم ن في الوقت الذي يشهد فيه المسلمون نكبات وويلات، تعصر قلوبهم، وتمزق صدورهم، وأمتهم وعقيدتهم وحرماتُهم ومقدساتهم ، تستصرخ ولا مجيب، وتطالب المسلمين بتضحيات وفداء وبذل. والهجرة النبوية، تعطينا في هذا المجال، قدوة وأسوة، تتجلى دروس ودروس، من التضحية والفداء والبذل، فهذا رأس الأمة، وإمام الملة صلوات الله وسلامه عليه يتحمل العبء الثقيل، في سبيل الدعوة إلى الله ، وإعلاء كلمته ، ويشتط المجرمون من أعدائه في مقاومته، والتطاول عليه بالسخرية والاستهزاء، ثم بالكذب والافتراء، ثم بحيلة الوعد والإغراء، ثم بتسليط الغوغاء والسفهاء، ثم بالتآمر الدنيء، ينتهي إلى الإجماع على اغتياله بلا إرعواء { وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ(30)الأنفال } .

    أيها المسلمون : لما رأي المشركون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تجهزوا ، وخرجوا بالذراري والأطفال، وساروا بهم إلى المدينة ن خافوا خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم ، ولحوقه بهم ن فاشتد عليهم أمره ، ولم يبق بمكة من المسلمين ، إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي رضي الله عنهم وخلا من اعتقله المشركون كُرهاً، فلما كانت ليلة ، هم المشركون بالفتك برسول الله صلى الله عليه وسلم ، جاء جبريل بالوحي من عند الله تبارك وتعالى ، فأخبره بذلك ، وأمره ألا ينام في مضجعه تلك الليلة . وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر نصف النهار ، في ساعة لم يكن يأتيه فيها ، فقال له : ( أخرج من عندك ) فقال إنما هم أهلك يا رسول الله ،
    فقال : ( إن الله قد أذن لي في الخروج ، فقال أبوبكر : الصحبة يا رسول الله ؟ قال نعم ، فقال أبوبكر ، فخذ بأبي وأمي إحدى راحلتي هاتين فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم آخذها بالثمن ) .
    وأمر علياً أن يبيت في مضجعه تلك الليلة، واجتمع أولئك النفر من قريش، يتطلعون من صير الباب ويرصدونه، ويأتمرون أيهم يكون أشقاها، فخرج رسول الله صلى الله عليهم وسلم فأخذ حفنة من البطحاء، فجعل يذروه على رؤوسهم وهم لا يرونه وهو يتلو قوله تعالى { وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ(9)يس } ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت أبي بكر، فخرجا من خوخة في داره ليلاً ، ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر إلى غار ثور فدخلاه، وضرب العنكبوت على بابه، وجددت قريش في طلبهما وأخذوا معهم القافة، حتى انتهوا إلى باب الغار فوقفوا عليه، فقال أبوبكر، يا رسول الله، لو أن أحداً نظر إلى ما تحت قدميه لأبصرنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يا أبا بكر ما ظنك باثنين ، الله ثالثهما ) .

    ولما يئس المشركون من الظفر بهما، جعلوا لمن جاء بهما دية كل واحد منهما فجد الناس في الطلب، فلما مروا بحي مدلج ، بصر بهم سراقة بن مالك فركب جواده وسار في طلبهم ، فلما قرب منهم سمع قراءة النبي صلى الله عليه وسلم، ثم دعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فساخت يدا فرسه في الأرض ، ثم قال سراقة، ادعوا الله لي، ولكما علي أن أرد الناس عنكما، فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم فأطلق، ورجع يقول للناس : قد كفيتم ما ههنا.
    ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسيره ذلك بخيمة أم معبد ، فقال عندها، ورأت من آيات نبوته في الشاة وحلبها لبناً كثيراً في سنة مجدبة ، ما بهر العقول صلوات الله وسلامه عليه .

    وقد كان بلغ الأنصار مخرجه صلى الله عليه وسلم من مكة، وقصده المدينة، وكانوا يخرجون كل يوم إلى الحرة، ينتظرونه أول النهار، فإذا اشتد حر الشمس، رجعوا على عادتهم إلى منازلهم ن فلما كان يوم الإثنين، ثاني عشر ربيع الأول، على رأس ثلاث عشرة سنة من النبوة، خرجوا على عادتهم ، فلما حمى حر الشمس رجعوا، وصعد رجل من اليهود على حصن من حصون المدينة لبعض شأنه، فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فصرخ بأعلى صوته، يابني قيلة هذا صاحبكم قد جاء، هذا جدكم الذي تنتظرونه، فبادر الأنصار إلى السلاح ليتلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمعت الرجة والتكبير وكبر المسلمون فرحاً بقدومه، وخرجوا للقاء فتلقوه، وحيوه بتحية النبوة، فأحدقوا به مطيفين حوله، والسكينة تغشاه، وجاء المسلمون يسلمون على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكثرهم لم يروه بعد، وكان بعضهم أو أكثرهم ، يظنه أبا بكر، لكثرة شيبه، فلما اشتد الحر، قام أبو بكر رضي الله عنه، بثوب يظلل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فتحقق الناس حينئذ رسول الله صلى الله عليه وسلم .
    بذلك كله أيها المسلمون يتضح موقف هو أعظم المواقف، التي وقفها رسول الله صلى الله عليه وسلم ضد العدوان فغير به مجرى الأحداث، وضيع على خصومه فرصة الانتقام، وأحبط مسعاهم، وبلبل أفكارهم، وأسفر عن مبلغ تأييد الله له ، وحمايته من كيد الكائدين ، وبطش الظلمة الجاحدين .

    أيها الناس : بمثل هذه السيرة العطرة ، تتجلى الخواطر ، لننهل منها دروساً عظيمة. عميقة الدلالة، دقيقة المغزى ، بعيدة الأثر في نفوس الكرام من أبناء الملة . ومن واجب المسلمين أن يحسنوا الانتفاع بها ، عن طريق التذكر المفضي إلى العمل بها { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ(37)ق} ومهما تتبار القرائح، وتتحبر الأقلام، مسطرة فوائد الهجرة، فستظل جميعاً كأن لم تبرح مكانها، ولم تحرك بالقول لسانها، وقد يعجز عن حصرها كثير من الناس . قال شيخ الإسلام، الإمام محمد بن عبد الوهاب - المجدد لما اندرس من معالم الإسلام رحمه الله تعالى - قال في حادث الهجرة : ( وفيها من الفوائد والعبر ما لا يعرفه أكثر من قرأها ) . انتهى كلامه رحمه الله .

    ولعل من أبرز الدروس المستقاة من حادث الهجرة ، هو أن صاحب الدين القويم والعقيدة الصحيحة، ينبغي الا يساوم فيها، أو يحيد عنها، بل إنه يجاهد من أجلها ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، وإنه ليستهين بالشدائد والمصائب - تعترض طريقه عن يمين وشمال - ولكنه في الوقت نفسه، لا يصبر على الذل يناله، ولا يرضى بالخدش يلحق دعوته وعقيدته .
    ويلوح لنا في حادث الهجرة خاطر آخر، يتعلق بالصداقة والصحبة، فالإنسان في هذه الحياة لا يستطيع أن يعيش وحيداً منفرداً ، بل لا بد من الصديق يلاقيه ويناجيه ويواسيه، يشاركه مسرته، ويشاطره مساءته. وقد تجلت هذه الصداقة والصحبة في تلك الرابطة العميقة التي ربطت بين الرسول صلى الله عليه وسلم وبين أبي بكر رضي الله عنه .
    لقد أصبحت علاقات الكثيرين من الناس في هذا العصر، تقوم لغَرَض أو لعَرَض ، وتنهض على رياء أو نفاق، إلا من رحم الله، والأمة المسلمة اليوم أحوج ما تكون إلى عصبة أهل الخير، التي تتصادق في الله، وتتناصر على تأييد الحق، وتتعاون على البر والتقوى { الإخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين الزخرف 67} .
    وخاطر ثالث يتجلى من ذكر هذه الحادثة، وهو أن الله ينصر من ينصره، ويعين من يلجأ إليه ويعتصم به ويلوذ بحماه، و لايكون ذلك إلا للمؤمن المخلص، الموقن بما عند الله ، حين تنقطع به الأسباب، وحين يخذله الناس، وبعض الأغرار الجهلاء يرون مثل ذلك فراراً وانكساراً ، ولكنه في الحقيقة كان عزاً من الله وانتصاراً { إلا تنصروه فقد نصره الله التوبة 40.}
    وبم نصره الله ؟ نصره بأضعف جنده {وما يعلم جنود ربك إلا هو المدثر [31 ] } نصره بنسج العنكبوت [ قصة العنكبوت حسنها الحافظ ابن حجر رحمه الله ، انظر زاد المعاد بتحقيق الأرناؤوط ] {وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون العنكبوت (41) } .
    وخاطر رابع ، يشير إلى أن الشاب إذا نبت في بيئة الصلاح والتقوى، نشأوا على العمل الصالح، والسعي الحميد ن والتصرف المجيد ، والشباب المسلمون إذا رضعوا رحيق التربية الدينية الكريمة ، كان لهم في مواطن البطولة والمجد ، أخبار وذكريات . فعلي بن أبي طالب رضي الله عنه لم يتردد في أن ينام على فراش الرسول صلى الله عليه وسلم ، وهو يعلم أن سيوف المشركين تستعد للا نقضاض على النائم فوق هذا الفراش، ويتغطى ببردته، في الليلة التي اجتمع فيها شياطين الكفر والغدر، ليفتكوا برسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويا لها من نومة تحيطها المخاوف والأهوال ، ولكن { فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ(64)يوسف} .
    أيها المسلمون : هكذا تعطينا الهجرة اليوم ما يعظنا في حاضرنا، وينفعنا في أولانا وأخرانا، وهناك اليوم في أرجاء المعمورة أخوان لنا مهاجرون مسلمون ، أرغموا على ترك ديارهم وأوطانهم، بعد أن فعل بهم الكفرة الأفاعيل، وبعد أن تربصوا بهم الدوائر، ووقفوا لدعوة النور في كل مرصد ، يقطعون عليها الطريق، ويعذبونهم العذاب الشديد ، لا لشيء إلا لأنهم قالوا ربنا الله ، فهاجروا كرهاً ، وأخرجوا كرهاً ، فهم يهاجرون من موطن لآخر ، إقامة لدين مضطهد ، وحق مسلوب في فلسطين ، وفي البوسنة والهرسك ، وفي كشمير ، وإريتريا ، وغيرها من بلاد المسلمين .
    فاتقوا الله أيها المسلمون ، وقفوا وقفة المهاجر بنفسه ، وإن لم يهاجر بحسه ، فلنهاجر إلى بلاد الله تعالى بقلوبنا وعقولنا وأعمالنا ولنلجأ إلى الله ليكون ناصراً ومؤيدنا { إِنْ يَنْصُرْكُمْ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ(160)آل عمران} .



    --------------------------------------------------------------------------------

    الخطبة الثانية

    الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه ، كما يحب ربنا ويرضاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه ، وعلى آله وأصحابه ، ومن سار على طريقه إلى يوم الدين . أما بعد
    أيها الناس : لقد كان ابتداء التاريخ الإسلامي الهجري ، منذ عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، حيث جمع الناس إبان خلافته ، فاستشارهم من أين يبدأ التاريخ ، فقال بعضهم يبدأ من مولد النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال بعضهم يبدأ من بعثته ، وقال آخرون يبدأ من هجرته ، وقال بعضهم يبدأ من وفاته، ولكنه رضي الله عنه رجح أن يبدأ من الهجرة ، لأن الله فرق بها بين الحق والباطل، فجعل مبتدأ تاريخ السنين من الهجرة، ثم تشاورا من أي شهر يبدؤون السنة فقال بعضهم من ربيع أول لأنه الشهر الذي قدم فيه النبي صلى الله عليه وسلم مهاجراً إلى المدينة، واتفق رأي عمر وعثمان وعلى رضي الله عنهم على ترجيح البداءة بالمحرم لأنه شهر حرام ، ويلي ذا الحجة ، الذي به تمام أركان الإسلام وهو الحج
    فعلينا جميعاً أيها المسلمون ، أن نأخذ بالتاريخ الهجري ، فأعداء الله حريصون على أن يمسخوا الأمة المسلمة في كل شؤونها ، حتى في تسمية الشهور والأعوام وإن استبدال تاريخ الكفار بالتاريخ الهجري عدول عن طريق السوي ، والمسلك القويم ، وتشبه بالكفرة والمشركين ، والمشاركة في الأمور الظاهرة توجب مشابهة في الأمور الباطنة، على وجه المسارقة والتدريج الخفي، والمشابهة في الظاهر تورث نوع مودة ومحبة وموالاة في الباطن ، فتكون محرمة ، كما قرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله .
    هذا وصلوا رحمكم الله على خير البرية ، وأزكى البشرية .




    [align=center]ألفية القاموس............... خاص لــ(( كل معرس وعروس)) [/align][/align]

  10. #10
    الصورة الرمزية راعي العوجه
    تاريخ التسجيل
    06-08-2001
    العمر
    68
    المشاركات
    6,123
    معدل تقييم المستوى
    21

    افتراضي

    [align=center]
    الظلم ظلمات يوم القيامه

    عبد الرحمن عبد الخالق

    إن الحمد لله نحمده ، ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أما بعد:

    فإن خير الكلام كلام الله تعالى ، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم ، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار .

    عباد الله : ثبت من قول النبي صلى الله عليه وسلم أنه قا ل : [ الظلم ظلمات يوم القيامة ] (أخرجه أحمد (2/137،156) والبخاري (5/100 الفتح) وفي الأدب المفرد (485) ومسلم (2579) عن ابن عمر).
    وقد جاء الإسلام بالعدل كما قال سبحانه وتعالى { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } (النحل:90).

    والظلم والبغي واحد وهو ضد العدل ، وقد تطلق العرب الظلم على وضع الشيء في غير محله ، وقد جاء معنى هذا في الشرك كما قال سبحانه وتعالى : { إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } (لقمان:13).
    وذلك أنه وضع للشيء في غير محله ، وقد كان الشرك ظلماً عظيماً لأنه وضع للعبادة التي هي أشرف الأعمال في غير محلها لغير الله سبحانه وتعالى ، فلا يستحق العبادة إلا الله جل وعلا ، فالتسبيح والتقديس والسجود والركوع والذبح والنذر والخوف والخشية وسائر أنواع العبادة من أعمال القلوب أو أعمال الجوارح لا تنبغي إلا للإله الواحد سبحانه وتعالى الذي لا إله غيره ولا رب سواه ، فكل من صرف نوعاً من هذه الأنواع لغير الله تبارك وتعالى فقد وضع العبادة في غير محلها ، ولذلك كان الشرك أعظم الظلم ، وقد فسر به النبي صلى الله عليه وسلم قول الله تبارك وتعالى { الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ } (الأنعام:82). قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أينا لم يلبس إيمانه بظلم ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنه ليس بذاك ، ألا تسمع قول لقمان لابنه { إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } (أخرجه البخاري (8/513 الفتح) وغيره عن عبدالله بن مسعود).
    هذا لا شك هو أعلى أنواع الظلم ، ولكن يدخل في هذا المعنى العام كل اعتداء على حق الآخرين ، وكل ما هو ضد العدل ، فمن أخذ مالك بغير حق أو سفك دمك بغير حق أو اعتدى على عرضك بغير حق فلا شك أنه قد ظلمك ، وهذا من معاني الظلم ، وهو معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم : [ الظلم ظلمات يوم القيامة ] .
    ولا شك أن كل من ظلم فهو محاسب بين يدي الله تبارك وتعالى ، والظلم بين العباد درجات ، فمن أعظم الظلم القتل ، قتل المسلم من أعظم العدوان ، ولذلك أوجب الله تبارك وتعالى النار على قتل المؤمن عمداً وظلماً كما قال الله تبارك وتعالى { وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا } (النساء:93).
    وذلك أنه أعظم عدوان ، ولا شك أنه يتدرج العدوان بعد ذلك نزولاً حتى تكون مجرد الكلمة والغمزة واللمزة في حق المؤمن ظلم إذا كانت بغير حق فهي ظلم ، ولا شك أن كل من ظلم ظلمة فإنه لا تزول قدمه يوم القيامة حتى يؤديها ، وإن كان من أهل الإيمان ومن أهل الصلاح كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : [ أتدرون ما المفلس؟ ] قالوا : المفلس فينا ما لا درهم له ولا متاع ، قال صلى الله عليه وسلم [ إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ، ويأتي قد شتم هذا ، وقذف هذا ، وأكل مال هذا ، وسفك دم هذا ، وضرب هذا ، فيعطى هذا من حسناته ، وهذا من حسناته ، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه ، أخذ من خطاياهم ، فطرحت عليه ، ثم طرح في النار ] (أخرجه أحمد (2/303،334،372) ومسلم (2581) والترمذي (2418) عن أبي هريرة وقال الترمذي: حسن صحيح).

    وقد أذن الله تبارك وتعالى وشاء أن يقيم العدل يوم القيامة على أكمل وجوهه ، حتى إنه يقتص للعجماوات بعضها من بعض وليس للبشر فقط كما قال صلى الله عليه وسلم : [ لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء ] (أخرجه أحمد (2/235،/310،411) ومسلم (2582) والترمذي (2420) عن أبي هريرة وقال الترمذي: حسن صحيح). والجلحاء: الشاة التي لا قرون لها . والقرناء: التي لها قرون.
    ومعنى يقتص لها يعني يؤخذ القصاص إذا نطحتها بغير حق فإنه يقتص وكذلك يقتص لها ، ويؤخذ حق الحيوان كما قال صلى الله عليه وسلم : [ عذبت امرأة في هرة سجنتها حتى ماتت فدخلت فيها النار لا هي أطعمتها وسقتها إذ حبستها ، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض ] (أخرجه البخاري (5/41-6/356،515) وفي الأدب المفرد (379) ومسلم (2242) عن ابن عمر).

    فهذه امرأة دخلت النار في ظلم هرة قطة لما ظلمتها كان مصيرها إلى النار، وهذا يدل على أن الظلم هو إيقاع غير العدل حتى على الحيوان ، وحتى على النبات كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : [ قاطع السدر يصوب الله رأسه في النار ] (أخرجه البيهقي (6/141) عن معاوية بن حيدة، وحسنه الألباني في الصحيحة (615)).
    فجعل النبي صلى الله عليه وسلم العدوان على شجرة نافعة بدون حق ، ليست سادة للطريق وليس هناك مصلحة من قطعها ، وإنما لمجرد الظلم والعدوان والعبث فإن صاحبها يقول عنه النبي صلى الله عليه وسلم : [ صوب الله رأسه في النار ] .
    _هذا كله من معاني الظلم ومن معاني قول النبي صلى الله عليه وسلم : [ الظلم ظلمات يوم القيامة ] .
    قلنا بأن أعلى درجات ، الظلم ظلم المؤمن بسفك دمه ، ثم ما دون ذلك ، وكذلك ظلم الأرض ، وهو أن تأخذ أرض أخيك بغير وجه حق ، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم : [ من اقتطع شبراً من الأرض ظلماً طوقه الله إياه يوم القيامة من سبع أرضين ] (أخرجه أحمد (1/187،190) والبخاري (5/103 الفتح) ومسلم (1610) والترمذي (1418) وفي رواية : [ من سرق الأرض..] وكذلك : [ من أخذ شبراً من الأرض..].
    ومعنى طوقه : يعني أنه يقطع له هذا الجزء الذي اغتصبه ظلماً من أرض أخيه تصبح طوقاً على رقبته عياذاً بالله إلى سبع أرضين يوم القيامة ، يعني جيء به يوم القيامة وهو يحمل مظلمته ، ولذلك كان ظلم الأرض من أعظم الظلم ، وحذر النبي من هذا بل لعن النبي صلى الله عليه وسلم من غير منار الأرض ، كما جاء في حديث مسلم : [ لعن الله من لعن والده ، ولعن الله من ذبح لغير الله ، ولعن الله من غير منار الأرض ] (أخرجه أحمد (1/108،118،152) ومسلم (1978) والنسائي (4422) والبخاري في الأدب المفرد (17) عن علي بن أبي طالب).
    ومنار الأرض : حدودها ، فمن غير حدود الأرض بمعنى أنه رفع الحدود ، والعلامات التي توضع _وأخذ جزءاً من حق جاره فهذا ملعون على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن هذا من الظلم .
    ولا شك أن أخذ أموال الناس ، وجلد أبشارهم أو سبهم أو حبسهم بغير حق ظلم ، وهذا يستوي فيه من له ولاية ، ومن ليس له ولاية ، بل الذي له ولاية هو أشد جرماً عند الله تبارك وتعالى ، ومن له ولاية يعني من ولاه الله عز وجل ولاية المسلمين فلا شك أنه إذا ظلمهم كان أعظم وزراً عند الله تبارك وتعالى إذا جلد أبشارهم ، أو أخذ أموالهم ، أو اغتصب أراضيهم أو ظلمهم أي شيء بغير حق ، لا شك أنه مسؤول على ذلك بين يدي الله تبارك وتعالى ، ولا شك أن هذه مسؤولية لا يقدرها إلا من علمها ، وأما من يجهلها فإنه قد يفرح بظلمه ، أما من يعلمها ، فإنه يقدرها حق قدرها كما قيل لعمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو على سرير الموت قيل له يا أمير المؤمنين : أبشر فلقد صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحسنت صحبته ومات يوم مات وهو راض عنك ثم صحبت خليفة رسول الله يعني أبا بكر فأحسنت صحبته فمات يوم مات وهو راض عنك ثم صحبت صحابتهم يعني من صحبوا النبي ومن صحبوا أبا بكر فأحسنت صحبتهم فلئن كان الموت - هذا كلام ابن عباس لعمر بن الخطاب رضي الله عنه- لتموتن والأمة راضية عنك فلما سمع عمر بن الخطاب هذا من قول ابن عباس وهو الفقيه رضي الله عنهما ، قال : اجلسوني وكان قد طعن فأجلسوه فقال : لئن قلت ما قلت من أني صحبت رسول الله فمات يوم مات وهو راض عني ، إنما ذاك من فضل الله ومنه ، ثم إني صحبت خليفة رسول الله فمات يوم مات وهو راض عني ، إنما ذلك من فضل الله ومنه ، ثم أني صحبت صحابتهم وأني يوم أموت أموت وهم راضون عني ، فأقول هذا من فضل الله ومنه ، وإنما يجزعني مخافتي عليك وعلى أصحابك - يعني مخافته على الأمة - ثم قال : وددت لو أن هذا كان كفافاً لا لي ولا علي وهذا موضع الشاهد يقول : " وددت لو أن هذا كان كفافاً لا لي ولا علي " .

    يعني أتمنى على الله تبارك وتعالى أن أكون ما أديته من أمانة ، وما حملته ، وما أبليت من صحبة النبي صلى الله عليه وسلم وصحبة أبي بكر وصحبة المسلمين كفافاً لا لي ولا علي .
    يعني لا شيء لي عند الله ، ولا علي شيء أطالب به ، ثم قال : " والله لئن عثرت بغلة بالعراق ليسألن عنها عمر يوم القيامة " .
    يقول إن المسئولية جسيمة ، وإنني إن فرطت في شيء مما وليته سيسألني الله تبارك وتعالى عنه يوم القيامة ، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم في الإمارة : [ إنها أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها ، وأدى الذي عليه فيها ] (أخرجه مسلم (1825)
    وقال فيها النبي صلى الله عليه وسلم : [ نعمت المرضعة ، وبئست الفاطمة ] (قطعة من حديث أخرجه أحمد (2/448،467) والبخاري (13/125 الفتح) والنسائي (4211،5385) عن أبي هريرة).
    الأمارة قال : [ نعمت المرضعة ] . يعني أنها ترضع ، ثديها مليء بالحليب ، فالإمارة تمكن من يملكها من أموال الناس ومن أبشارهم ومن دمائهم وتملكه من المال ولكن : [ بئست الفاطمة ] يعني إذا فطم بالموت ثم أتى بعد ذلك لكشف الحساب فبئس الأمر لأنه سيحاسب على كل شيء.
    الشاهد من كل هذا أن الظلم ظلمات يوم القيامة أياً كان ، ومن أي كان ، ولا شك أنه من ذي الولاية أعظم عند الله تبارك وتعالى لمكانته ومنزلته وتمكنه ، ولذلك لم تكن النهبة كالغصب علماً أنها كلها أخذ للمال لكن المنتهب غير الغاصب لأنه الغاصب لا يغصب إلا وهو يقدر أما المنتهب جبان يسرق ويهرب ، هذا الجبان الذي يسرق ويهرب ، لا شك أن جريمته أقل من المغتصب لأن المغتصب متمكن يستطيع أن يأخذ مالك وهو في مكنته ، ولا تستطيع أن تفعل شيئاً ولذلك قال النبي : [ من اقتطع شبراً من الأرض ظلماً طوقه الله إياه يوم القيامة من سبع أرضين ] .
    وذلك أن الأرض تغتصب ، ولا تنهب لأنه لا يقدر أن يسرق ويهرب بها إنما لا يفعلها إلا من هو قادر على ذلك..
    فالشاهد من كل هذا أنه لا شك أن ذا الولاية من ولاه الله تبارك وتعالى ولاية من الولايات ، لا شك أن ذنبه أعظم ممن لم يكن صاحب ولاية ، كل هذا يبين أن الظلم لا شك أنه ظلمات يوم القيامة ولذلك كان الإمام العادل من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ، لأنه مع قدرته يمتنع كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : [ سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله إمام عادل..] (أخرجه أحمد (2/439) والبخاري (11/312-12/112 الفتح) ومسلم (1031) والنسائي (5380) عن أبي هريرة).
    فبدأ به صلى الله عليه وسلم ، وذلك لأنه مع تمكنه يعدل بل إن العادلين هم من أقرب الناس من الرحمن يوم القيامة ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : [ إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا ] (أخرجه أحمد (2/160) ومسلم (1827) والنسائي (5379) عن عبدالله بن عمرو).
    فالمقسط هو العادل الذي يقوم بالقسط ، والقسط هو العدل ، ويخبر النبي بأنهم على منابر من نور يوم القيامة عن يمين الرحمن يوم القيامة ، ثم فسر النبي المقسطين فقال : هم الذين يعدلون في أهلهم وذويهم وما ولوا ، يعني وما ولاهم الله تبارك وتعالى .
    فالعدل ضد الظلم ، والمسلم لا شك أن شأنه أن يكون عادلاً ، كما أن الكافر من شأنه الظلم كما قال تبارك وتعالى: { والكافرون هم الظالمون..} (البقرة:254).
    وذلك أن الكافر لا شك أولاً أنه ظلم نفسه بشركه بالله تبارك وتعالى ، وعبادته غير الله ، ووضعه للعبادة في غير محلها ، وهذا أعظم أنواع الظلم .
    كما قال صلى الله عليه وسلم لما سأله عبد الله بن مسعود قلت يا رسول أي الذنب أعظم ؟
    قال : [ أن تجعل لله نداً وهو خلقك ] .
    هذا أعظم ظلم لأنه لا ند لله ولا كفؤ له سبحانه وتعالى .
    قال : قلت ثم أي : قال : [ أن تزاني حليلة جارك ] .
    وهذا كذلك من الظلم من ظلم الجار ومن الخيانة .
    قال : قلت ثم أي : قال : [ أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك ] (أخرجه أحمد (1/380،431،434،462،464) والبخاري (8/163،492،10/433،12/114،187-13/503 الفتح) ومسلم (86) وأبو داود (2310) والترمذي (3182) من طرق عن أبي وائل عن عمرو بن شرحبيل عن ابن مسعود).
    قتل الولد ، وهو عدوان كذلك ولا شك أنه من أعظم الظلم لأن هذه نفس مخلوقة خلقها الله تبارك وتعالى ، ثم لا شك أن الذي خلقها ضمن رزقها كما قال تبارك وتعالى : { وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ } (هود:6).
    فالله تبارك وتعالى ما خلق دابة إلا خلق لها رزقها ، ولكن يأتي الجوع والفقر من الظلم لولا أن الناس لم يتظالموا ، ما بقي جائع ولا عريان ، وإلا فإن الله تبارك وتعالى خلق من الأرزاق ومن النعم في هذه الأرض وذخر فيها ما هو فائض . فالأصل هو الفيض وليس الندرة كما يقول كفار علماء الاقتصاد يقولون : الأصل في الاقتصاد هو الندرة ، وهذا باطل بل الأصل هو الوفرة ولا شك أن الله تبارك وتعال خلق من الأرزاق ، ومن النعم ما هو موفور لخلقه ، ولكن إنما تأتي المجاعة بالتظالم وبالظلم ، وأن يأخذ الأغنياء غير ما يستحقون ، وأن يحرموا الفقراء من حقوقهم ، فالتظالم والتقاطع والتدابر وقطع الطريق والفتن والبلاء هو الذي يقع بسببه هذا النقص ، فالشاهد أن الإسلام جاء بالعدل وأمر الله تبارك وتعالى بأن نكون عادلين ، ونهانا عن الظلم ، وأخبر سبحانه وتعالى بأنه ولو مثقال ذرة لا بد أن يسأل عنها العبد يوم القيامة كما قال تبارك وتعالى : { فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه(7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه } (الزلزلة:8،7) .
    ولا شك أن الظلم من أعظم الشرور . أقول هذا لأن الداء الذي حل بالأمة إنما هو داء العدوان والظلم ، كل إنسان يقدر للأسف أن يظلم إلا من شاء الله ، وإلا من خاف الله تبارك وتعالى ، ثم لا شك أن الظلم من طبائع النفوس ، ولذلك كان أول أخوين في الأرض ظلم أحدهما الآخر مع اتساع هذه الأرض ، يعني الإنسان يعجب أن أحد ابني آدم ، أخوان لا يوجد في الأرض غيرهما لا بشر غيرهم هم وأبوهم ، أبوهم آدم سواءً وقعت هذه الحادثة بعد موت آدم أو في حياته ما كان في الأرض غيرهم ومع ذلك تظالموا ، ولذلك قال الله عز وجل : { مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا } (المائدة:32).
    من أجل ذلك يعني من أجل أن الأخ يقتل أخاه إذا قدر عليه كما قال تبارك وتعالى : { وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنْ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ } (المائدة:27).
    الأمر هذا ليس من فعلي ، كون أن الله عز وجل يتقبل مني ولا يتقبل منك هذا من فعل الله عز وجل ، لم تحاسبني على فعل الله عز وجل { قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ }، يعني اتقيت الله عز وجل ، فتقبل قرباني ، وأنت لم تتق الله تبارك وتعالى فلم يتقبل قربانك ، فلم القتل حسداً وبغياً وظلماً لذلك . قال الله عز وجل : { فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنْ الْخَاسِرِينَ } (المائدة:30) . أصبح من الخاسرين لأنه قتل نفساً عدواناً وظلماً ، ثم قال الله تبارك وتعالى بعد ذلك : { مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ .. } . يعني من أجل هذا الأمر، وهو أن الأخ والشقيق ممكن أن يقتل أخاه إذا قدر عليه { كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ } أي في التشريع : { أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ } . يعني قتل نفساً بغير نفس بغير قصاص { أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ } . أي قتل فساداً في الأرض ، فالمفسد في الأرض يقتل ، وقتله حق . المفسد بقطع طريق أو بعدوان على إمام حق ، فلا شك أن هذا مفسد في الأرض ، وهو الحد الذي يسميه الفقهاء بحد الحرابة ، هذا إفساد في الأرض { أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا } . فالشاهد الظلم من شيم النفوس ، ولذلك جاء الإسلام بالرادع .
    الرادع الأول التقوى : أن الإنسان يتقي ربه تبارك وتعالى ، ويعلم أنه مطلع عليه وأنه لن يسلم في الدنيا ولا يسلم في الآخرة ، وقد تسلم في الدنيا بغصبك ونهبك وبقتلك ، ممكن أن تسلم وتبقى معززاً مكرماً في سربك إلى أن تموت لكن لن تسلم في الاخرة ، ستحاسب على هذا وستؤديه رغماً عنك ، لابد أن تؤديه فلذلك كان أول وازع هو الخوف من الله تبارك وتعالى تقوى الله عز وجل _والمعرفة ، إن كل إنسان مسؤول بين يدي الله ، هذا أعظم وازع وهو الذي يمنع الإنسان من الظلم .
    الوازع الثاني السلطان : الذي وضعه الله تبارك وتعالى أو أنزله الله عز وجل هو السلطان والسيف ، فالسلطان وازع ، ولذلك ينصب الإمام في المسلمين ليردع الظالم ، ولذلك كانت أول خطبة لأبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه قال : " القوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه والضعيف منكم قوي عند حتى آخذ الحق له " .
    هذا واجب السلطان أو هذا من كلام عمر بن الخطاب سواء كان هذا أو هذا .
    هذا من واجبات السلطان أنه ينصب لردع الظلمة ، ولمنع الظلم ، ولإقامة العدل بين الناس ، ولذلك أول ما يسأله الله تبارك وتعالى هل أقام العدل في الرعية أم لا ، لكن المصيبة كل المصيبة إذا كان السلطان نفسه هو الجائر ، وهو الظالم ، هذه تصبح هي الكارثة هو الذي يظلم ، فإذا كان يطلب منه ويرجى منه ردع الظلمة ، إذا كان هو ظالماً من يردعه ؟ وعلى كل حال ، قد أمر الله تبارك وتعالى وأمر النبي بالصبر على ظلم الإمام ، وذلك أنه قد يكون القيام في وجهه يؤدي إلى مظالم أكبر من هذا ، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم : [ إنكم سترون بعدي أثرة وأموراً تنكرونها ] قالوا : فما تأمرنا يا رسول الله ؟ قال : [ أدوا إليهم حقهم وسلوا الله الذي لكم ] (أخرجه أحمد (1/384،386،387،433) والبخاري (6/612-13/5) الفتح) ومسلم (1843) والترمذي (2190) عن ابن مسعود، وقال الترمذي: حسن صحيح).
    يعني أن الله سبحانه وتعالى سيسألهم عن رعيتهم ، التي استرعاهم إياها وسيأخذ الحق منهم ولا شك هذا على كل حال فيما لم يأت من وراء تبديله ، ما هو أشد ضرراً على المسلمين منه ولا شك أنه مطلوب من الأمة ، أن تقوم بالعدل لا يقام إلا بهذين الأمرين كما ذكرنا .
    الأمر الأول : أن تكون هناك تقوى لله تبارك وتعالى ، وأن ينشر معنى تقوى الله تبارك وتعالى ومخافة الله عز وجل .
    الأمر الثاني : ثم لابد أن يقوم السيف والتشريع الذي يحمي الضعيف ، ويأخذ الحق من القوي ، أما إذا وجد في المجتمع من ينصر الظالم ويبقى الضعيف بلا ظهر يستطيع أن يأخذ حقه، فلا شك أنه ينتشر الظلم ويعم ويطم ، ولا شك أن الظلم مؤذن بخراب العمران ، هذه قاعدة من القواعد كما أخبر الله تبارك وتعالى في كل الآيات التي أخبر أنه أهلك القرى فيها أنه لا يهلكها إلا بظلم أهلها ، إذا ظلم أهلها فإن الله تبارك وتعالى يهلكها كما قال تبارك وتعالى : { وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ } (القصص:59) .
    هذه قاعدة عامة { وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى } يعني المدن والأمم إلا وأهلها ظالمون ، وهنا وأهلها ظالمون هذه جملة حالية يعني حال كون ظلم أهلها ، أما إذا أقاموا العدل فيما بينهم فإن الله تبارك وتعالى قد يمد في أعمارهم حتى لو كانوا كفاراً وأقاموا العدل ، فإن هذا لمد أعمارهم ولذلك قال إمام علم الاجتماع عبد الرحمن بن خلدون : " الظلم مؤذن بخراب العمران " وهذا الكلام من كلامه لكنه مأخوذ من هذه الآيات ومن هذه السنن الجارية لله تبارك وتعالى في خلقه ، وكذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية : " إن الله تبارك وتعالى قد يؤيد الدولة العادلة وإن كانت كافرة " . حتى وإن كانت كافرة لكنها إذا أقامت العدل أيدها الله تبارك وتعالى ، أما الدولة المسلمة إذا تظالم أهلها ، ولم يؤخذ الحق لضعيفهم وقوي ظالمهم ، فإن هذا لا شك أنه منذر بخراب عمرانهم وفساد أحوالهم واضطراب أمورهم ، فالأمم لا تقام إلا بالعدل ، إذا قام العدل قام سوق البقاء ، وأيد الله تبارك وتعالى الدولة أما إذا قام الظلم فلا شك أن هذا مؤذن بخراب عمرانهم .

    على كل حال لابد أن يتنادى المسلمون في كل مكان في أرض الإسلام ، وفي غير أرض الإسلام أن يكونوا عادلين ، وأن يبتعدوا عن كل الظلم ، وأعظم الظلم كما ذكرنا الشرك بالله تبارك وتعالى ، ثم عن ظلم أي شيء ، إياك وظلم أي شيء ، واعلم أن الله سائلك أن تظلم شجرة ، أن تظلم هرة ، ثم بعد ذلك لا شك أنه أعظم من هذا أن تظلم أخاك المسلم .
    أسأل الله تبارك وتعالى أن يجمع بين قلوبنا ، وأن يؤلف بيننا ، وأن يهدينا سبل السلام.





    [align=center]ألفية القاموس............... خاص لــ(( كل معرس وعروس)) [/align][/align]

  11. #11

    تاريخ التسجيل
    29-04-2004
    المشاركات
    1,126
    معدل تقييم المستوى
    12

    افتراضي

    والله جهد تشكر عليه


    بس عندي اقتراح
    هو أنه لو تم تصميم صفحة خاصة بما يخدم اللإمام والخطيب
    ويكون فيها فهرسة جيدة للمواضيع كالمشاريع والأفكار الدعوية وصفحة الخطب وووو ..........
    { ولمن خاف مقام ربه جنتان }
    لن اذوق طعم الراحة إلا عندما أضع قدمي في الجنة
    ... فياربي أدخلني الجنة وكل قارئ لمقالي ...

  12. #12
    الصورة الرمزية راعي العوجه
    تاريخ التسجيل
    06-08-2001
    العمر
    68
    المشاركات
    6,123
    معدل تقييم المستوى
    21

    افتراضي

    [align=center]
    ابتلاء الله لعباده المؤمنين

    عبدالله حسن القعود

    الحمد لله رب العالمين، الحمد لله ولي المتقين وناصر المؤمنين ، أحمده تعالى وأشكره، على ما أولانا من النعم وصرف عنا من النقم ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله صلى الله وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً . أما بعد

    روى البخاري ومسلم رحمهما الله عن أبي عبد الرحمن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال : " كأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي نبياً من الأنبياء صلوات الله عليه وسلامه عليهم ضربه قومه فادموه وهو يمسح الدم عن وجهه وهو يقول اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون " .

    اما بعد - فيا عباد الله - لقد جرت سنة الله في عباده المؤمنين أن يبتليهم ابتلاء يقوى بقوة الإيمان ويضعف بضعفه ، يقول صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح : " أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل ، يبتلى الرجل على حسب دينه ، فإن كان في دينه صلباً زيد له في البلاء " ويقول : من يرد به الله خيراً يصب منه " . رواه البخاري .
    يبتليهم تعالى ابتلاءً ليس ابتلاء إهانة وتعذيب ، فحاشا حكمة الله وعدله ولكنه ابتلاء تمحيص وتهذيب { وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ } (141) آل عمران . وذلكم الابتلاء لأسرار وحكم بالغة منها ما في قوله سبحانه : { لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا } (2) تبارك { وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ } والفتنة هنا بمعنى الامتحان والاختبار اللذين يظهران حقيقة من يدعي الإيمان على وجه الحق والصدق ، ومن يدعيه تقية ونفعاً ليحصل على ما لأهله في صف المسلمين من حرمة وتقدير . يقول الله تعالى { الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ(2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ(3) } ويقول : { وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ } (31) محمد . والله جلت قدرته وتعالت أسماؤه يعلم عباده أن الإيمان ليس مجرد دعوى أو أمنية فحسب ، ولكنه حقيقة ذات تكاليف وأمانة ذات أعباء وجهاد وصبر وتحمل لا يحملها إلا من في قلوبهم تجرد لها وإخلاص ، فلا يكفي أن يقول الناس آمنا ويتركوا لهذه الدعوى .. حتى لا يتعرضوا للفتنة فيثبتوا لها ويخرجوا منها صافية عناصرهم ، خاصة قلوبهم كما تفتن النار الذهب فتفصل بينه وبين العناصر العالقة به.


    أيها المسلمون : مما تقدم يعلم أن عبء الإيمان لكبير وإن تكاليفه لشاقة إلا على النفوس المؤمنة بالله إيماناً راسخاً ، والمتقبلة لتكاليفه بطواعية ورغب فيما عند الله وما وعد به المؤمنين من نصر وعز في الدنيا وثواب مضاعف في الآخرة يقول تعالى : { وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ } (45) البقرة . ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( حفت النار بالشهوات وحفت الجنة بالمكاره) رواه الشيخان .
    نعم ، عبء الإيمان شاق وكبير ولكنه سهل ويسير على من يسره الله عليه ، على النفوس التي تعرف أن العبء عندما يكون كبيراً يكون جزاؤه ومثوبته أكبر وأجل عند الله الذي يجزي على الحسنة بعشر أمثالها ويضاعف فوق ذلكم والذي يقول : { إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ(30) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ(31) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ } (30-32) فصلت . إلى أن قال تعالى : { وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ } (35) فصلت . ولا غرابة فكلما عظم الثمن المقدم عظم المثمن المستوفى بدله ، فالشهيد الذي قدم نفسه باع حياته لله عوض عنها بحياة أفضل ونعيم أكمل .


    فيا أيها الأخ المؤمن إنك وأمثالك من المؤمنين في هذه الحياة معرضون لألوان من الابتلاء والاختبار بخير أو بشر، بخير كالمال والصحة والولاية ليرى هل تؤدي حق الله فيما أعطيت من مال بأداء ما أوجب الله عليك فيه وتجنيبه الإنفاق منه والتعامل به المحَرَّمين ، وهل قصرت النفس حال الصحة ؟ والابتلاء على المأمورات وكبحت جماحها عن ارتكاب المنكرات ، وهل أديت حق الله فيما استخلفت عليه من مصالح المسلمين ؟ { وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ } (129)الاعراف ، { الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ } (41)الحج .

    وكما يبتلي تعالى عباده بالخير يبتليهم بالشر كالمرض وتسليط الأعداء وليس ذلكم - كما أسلفت - لإهانة أو تعذيب ، ولكنه لتقوية الإيمان الحق والحصول على مثوبة الصبر على البلاء كما حصل لنبي الله أيوب عليه السلام من الإبتلاء بالمرض الذي بلغ به أن تخلى عنه جميع أهله ، وأبينا إبراهيم عليه السلام من تسليط قومه وإلقائهم إياه في النار، ولنبينا محمد صلى الله عليه وسلم من الأذى والمضايقة والتآمر ضده . المؤامرة التي فضحها القرآن ، قال تعالى { وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ } (30) الانفال ، وماذا كان .. فأيوب كشف الله ضره وآتاه أهله ومثلهم معهم رحمة من الله وذكرى لأولي الألباب ، وإبراهيم ، يقول الله للنار التي أججت لإحراقه : { كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ } (69) إبراهيم . ويجعله أمة يقتدى به { إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً } (120) النحل . ويجعل له لسان صدق في الآخرين ، ومحمد الذي أفلت من تكلم المؤامرة الدنيئة وخرج من مكة مختفياً مطارداً يعود يطل عليها من أعلى طريق فيها فاتحاً بل يطل على الدنيا على الأمة جميعها موجهها إلى رب واحد ، وقبلة واحدة ، وقيادة واحدة ، ويصبح هو إمامها بما بلغها عن الله إلى يوم القيامة ، بل وفرطها على الحوض وشفيعها عند الله وفاتح باب الجنة لها .

    فاتقوا الله - أيها المسلمون - اتقوه تقوى المؤمن الذي قال فيه صلى الله عليه وسلم : (عجباً للمؤمن إن أمره كله خير ، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له ، وإن اصابته ضراء صبر فكان خيراً له) . اتقوا الله وأثبتوا على إيمانكم الذي جاء من عند الله ، واصبروا على ما قد تبتلون به وما كلفتم به من الله ، وأ دوا حق الله فيما أعطاكم وولاكم ولا يطغينكم عز ورخاء أو صحة وثراء ، ولا تضعفنكم الأحداث والشدائد والمضايقات فما هي إلا برهة قليلة ثم يأتي فرج الله ونصره ومثوبته لمن قام بأمره ، كما جاء لأيوب وإبراهيم ومحمد عليه الصلاة والسلام ، وأتباعهم ممن ابتلو وأوذوا في الله وستكون العقبى لاتباعهم كما كانت لهم من قبل - إن شاء الله - { فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا(5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا } (6) الشرح .، { سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا } (7) الطلاق . أقول قولي هذا ، وأسأل الله تعالى أن يثبت أقدامنا ، وينصرنا على القوم الكافرين





    [align=center]ألفية القاموس............... خاص لــ(( كل معرس وعروس)) [/align][/align]

  13. #13
    الصورة الرمزية راعي العوجه
    تاريخ التسجيل
    06-08-2001
    العمر
    68
    المشاركات
    6,123
    معدل تقييم المستوى
    21

    افتراضي

    [align=center]
    آه يـــا ولــــــــــدي

    لفضيلة الشيخ د/خالد الحليبي


    اللهم لك الحمد أنت وليُّ الحمد وأهلُه ، وأنت ولينا في الدنيا والآخرة ، نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلا أن تغفر لنا هذه الساعة ، وأن تجيرنا من النار برحمتك ، ونسألك الرضا بعد القضا ، وبرد العيش بعد الموت ، ولذة النظر إلى وجهك ، وشوقا إلى لقائك ، في غير ضراء مضرة ، ولا فتنة مضلة ، ونعوذ بك أن نَظْلِم أو نُظْلَم ، أو نعتدي أو يُعتدى علينا ، أو نكتسب خطيئة أو ذنبا لا تغفره ، اللهم فاطر السماوات والأرض ، عالم الغيب والشهادة ، ذا الجلال والإكرام ، فإننا نعهد إليك في هذه الحياة الدنيا ، ونشهدك وكفى بالله شهيدا ، ألا إله إلا أنت ؛ وحدك لا شريك لك ، لك الملك ، ولك الحمد ، وأنت على كل شيء قدير ، و أن محمدا عبدك ورسولك ، ونشهد أن وعدك حق ، ولقاءك حق ، والجنة حق ، والساعة آتية لا ريب فيها ، وأنك تبعث من في القبور ، وأنك إن تكلنا إلى أنفسنا تكلنا إلى ضعف وعورة وذنب وخطيئة ، وإنا لا نثق إلا برحمتك ، فاغفر لنا ذنوبنا كلها ، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم .
    عباد الله : اتقوا الله ، يقول تعالى { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا(70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا(71)} الاحزاب.

    أيها المسلمون : إن أعظم الحقوق الواجب على المسلم أداؤها بعد توحيد الله تعالى وعبادته ، حق جعل الله جزاء من أداه في الدنيا ، مدا في الرزق والأجل ، ولم يرض له جزاء في الآخرة إلا الجنة ، ورتب على نقضه عاجل عقوبته في الدنيا ، وأليم عذابه في الآخرة ، إنه حق الوالدين .
    يقول الله سبحانه { وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا(23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا(24)} .
    قال الإمام الشوكاني رحمه الله : ( وفي جعل الإحسان إلى الأبوين قرينا لتوحيد الله وعبادته من الإعلان بتأكيد حقهما والعناية بشأنهما ما لا يخفى ) فبر الوالدين فريضة شرعية ، وواجب محتم ، وعقوقهما جريمة من أشنع الجرائم ، وكبيرة من أكبر الكبائر بعد الإشراك بالله تعالى .
    وكيفما تخيلت عظم حقهما فهو أعظم ، و مهما قدمت لهما من بر ، فهو دون ما قدماه لك لا محالة ، جاء رجل إلى عمرَ بن الخطاب - رضي الله عنه - فقال : إن لي أما بلغ بها الكبر ، وإنها لا تقضي حاجتها إلا وظهري لها مطية ، وأوضئها وأصرف وجهي عنها ، فهل أديت حقها ؟ قال : لا ، قال : أليس قد حملتها على ظهري ، وحبست نفسي عليها ؟ قال : إنها كانت تصنع ذلك بك وهي تتمنى بقاءك ، وأنت .. تتمنى فراقها !!
    أخي الكريم .. هل بلغ برك بوالديك بر هذا الرجل بأمه ؟ بل هل بلغت ببرك ما قاله حبيبك محمد صلى الله عليه وسلم ( وأطع والديك وإن أمراك أن تخرج من الدنيا فافعل ) رواه البخاري

    وهل طبقت شروط البر كلَّها ؟ وما أدراك ما شروط البر!! ؟ إنها ثلاثة فاعرض معاملتك مع والديك عليها وحاسب نفسك قبل أن تحاسب
    الأول : أن يؤثر الولد رضا والديه على رضا نفسه وزوجته وأولاده والناس أجمعين .
    والثاني : أن يطيعهما في كل ما يأمرانه به ، وينهيانه عنه ؛ سواء وافق رغباته أم لم يوافقها ، مالم يأمراه بمعصية الله تعالى .
    وأما الثالث : فأن يقدم لهما كلَّ ما يلحظُ أنهما يرغبان فيه من غير أن يطلباه منه ، عن طيب نفس وسرور ، مع شعوره بتقصيره في حقهما ولو بذل لهما دمه وماله .
    أقرأ لكم هذه الشروط الإنسانيةَ الإسلاميةَ العظيمةَ في بر الوالدين ، وأنا لا أزال أعاني من صدمة الخبر ، ذاك الخبر الذي نشرته إحدى الصحف ، من أن طفلين شاهدا شابا يقف بسيارته فجأة ، ويضع صندوقا ورقيا على قارعة الطريق ، وينصرف مسرعا ، فاقترب الطفلان من الصندوق ، ولكنهما هرعا خوفا مما في داخله ، وهربا إلى والديهما ، ليبلغاهما قصة الصندوق الغريب ، وأن فيه كائنا حيا مخيفا ، أراد الشاب أن يتخلص منه ، وحين اقترب والد الطفلين من المكان ، سمع أنينا متقطعا ينبعث من الصندوق كالمستغيث ، فنظر .. فإذا به يجد امرأة مسنة لا تزال على قيد الحياة ، قد بلغ منها الجهد والتعب حتى لم تستطع أن تنطق بكلمة واحدة . وتبين له أن ذلك الشاب هو ولدها الجاحد العاق ، رماها كما ترمى النفايات .

    فلا تلمني يا أخي إذا رحتُ أوقدُ مشاعرك ، وأحركُ مدامعك ، فلقد أثرت فيني ـ والله ـ رعشات أيادي الآباء ، وهي تتضرع يدي ، وأحرقتني مدامعهم وهي تسيل على لحاهم البيضاء ، يشتكون من فلذات أكبادهم بما يفتت الفؤاد ، ويكوي الأكباد ، ولسان حال أحدهم يقول :
    آهٍ يا ولدي ، يا من أبكيتني صغيرا إشفاقا عليك ورحمة ، و أبكيتني كبيرا خوفا منك وحزنا ، هل نسيت سهر الليل في تمريضك ، أم نسيت عرق الهواجر وأنا أجمع لك قوت بطنك ، أم تناسيت معاناتي معك همَّ تربيتك وتعليمك .أم تجاهلت حال أمك وهي تدافع أصابع الغثيان ، وثقل الحمل ، و آلام الولادة ، آهٍ يا ولدي .. لو رأيتها وهي تقلب جنبيها على جمر الآلام ، تتمزق أحشاؤها ، وتتفجر الدماء من جسدها مؤذنة بقرب مولدك ، وأنت في قلبها قبل أن تكون في بطنها ، تخاف أن تؤذيك وهي تلدك ، تنسى كل شيء حولها إلا أن تدعو الله في ساعة الكرب تلك أن تخرج إلى الدنيا وأنت تام الخلق صحيح البدن ، فلو خُيرت بين حياتها وحياتك لاختارت حياتك ، حتى إذا خرجتَ إلى الحياة ، التفتت إليك وابتسامة السرور تفترُّ على ثغرها ، متناسية كل الآلامِ الهائلة والدماءِ النازفة ... فهل تلوم مَنْ حضرَ ولادة زوجته مرة ، فرأى كيف تجلدها الآلام ، وتعتصر فؤادها الأسقام ، و يأتيها الموت من كل مكان ، فإذا به ينطلق كالهائم على وجهه فيلقي بنفسه عند قدمي أمه يقبلهما ويبكي ، ويقول : أماه سامحيني ، أماه استغفري لي ، فما مر علي يوم عرفت فيه تقصيري نحوك كهذا اليوم ، اليوم عرفت قدرك ، والله ما تصورت أنك عانيت كل هذا في ولادتي .
    ثم انظر ـ يا ولدي ـ كيف حنونا عليك وأنت أسير ضعيف بين أيدينا ، نغذوك من خالص صحتنا ، ونقدم شهيتك على شهيتنا ، ونميط عنك الأقذار ونحن نتبسم ونضحك ، نجد في ذلك الأنس والسرور .
    يا ولدي ..وهل انتهى إحساننا إليك عند طفولتك وإن كانت ـ والله ـ تكفيك أن تعرف لنا الفضل حتى تموت ؟! لا والله .. بل إنك حين كبرت وترعرعت في أكنافنا زاد حبك بين أحشائنا ، وتعلقت بك آمالنا ، إذا أقبلت علينا تملينا وجهك ، عسى ألا يكون قد تكدر خاطرك بشيء يسوؤك ، فَنُسَرُّ لسرورك ، ونغتمُّ لغمك وإن لم نعلم ما السبب ، وإن غاب خيالك عن عيوننا لم يغب خيالك عن قلوبنا ، ولم يسقط ذكرك عن ألسنتنا ، كم أخطأت معنا فصفحنا ، وكم رأينا منك ما يسوؤنا فتغاضينا ، ولو اضطر أحدنا إلى تأديبك يوما ما أشار إلى الآخر أن يشفع لك ، فإذا أبكيناك بكت قلوبنا لبكائك ، ولو نطق اللسان في ساعة الغضب بالدعاء عليك ، لانبسط القلب بالرجاء وارتفعت اليدان بالضراعة إلى الله ألا يقبل منا ذلك. فلما تزوجت أحببنا زوجتك وأولادك من أجلك ، وحملنا همومهم وهمومك.
    فما بالك حين أحوجنا الدهر إليك ، وصيرنا السن والمرض عالة عليك ، وجاء اليوم الذي ترقبنا فيه الوفاء منك ، قلبت لنا ظهر المجن فصرت تخدمنا وأنت كاره ، تُسمعنا تأففك ، وتُحرقنا بنار تذمرك ، وتُعْرِضُ كلما حادثناك ، وتُماطل كلما طلبناك ، وتضمر في قلبك أملا في ساعة الفراق التي تريحك منا ، آهٍ يـاولدي ..


    غـــذوتـك مــولودا وعلتك يافعا ---- تعـل بمـا أحــــنو عليك وتنهل

    إذا ليلة ضاقت بك السقم لم أبت ---- لـســقمـك إلا ســــاهــرا أتــملــمل

    كأني أنا المطروق دونك بالذي ---- طرقت به دوني فعيناي تهمل

    تخاف الردى نفسي عليك وإنني---- لأعــلـم أن الــمـوت وقــت مــؤجــل

    فلما بلغت السن والــغايــة الــتي ---- إليها مدى ما كنت فــيك أؤمــل

    جــعلــت جـــزائي غــلظــة وفظاظة ---- كأنك أنت الـمــنعم المـتـفضل

    فليتك إذ لم تــرع حـــق أبــوتــي---- فعلت كم الجار المجاور يفـــعل



    يـا ولدي .. لقد كاد صوابنا أن يطير حين سمعنا بأنك قررت أن تُحْضِرَ لنا خادما يتكشف عوراتنا ، و يتحكم في رغباتنا ، ويزجرنا كلما تضايق منا ، كل ذلك بحجة أنك مهتم بنا وبرعايتنا ، والواقع أنك تريد الهروب من وجوهنا لتفرغ لدنياك ، يا ولدي إننا حين ربيناك صغيرا كنا ننظر إلى يومنا هذا فاتق الله فينا ، ولا تسلم ضعفنا إلى قوة من يهيننا .
    وإني أعيذك يا ولدي أن يخالجك خاطر شيطاني فتلقي بي أو بأمك في إحدى دور العجزة والمسنين ، فتكون كذاك الذي أودع أمه إحدى تلك الدور ، وترك زيارتها ، حتى تردت حالتُها ، وعندما طلبت من مسئول الدار الاتصال بابنها لتكحل عينيها برؤياه ، وتقبله قبل أن تموت ، خنقتها العبرة ، وسبقتها الدمعة ، وهي تنادي باسمه أن يحضر ، ولكن العاق العاصي رفض ذلك ، وادعى ضيق الوقت ، فلما توفيت الأم ، واتصل به المسئولون ، كان جوابَه : أكملوا الإجراءات الرسمية ، وادفنوها في قبرها ، تبا لذلك الجَحُود .. وبعداً .
    أو كتلك الفتاة التي أقامت حفل زواجها الراقص ، ودعت إليه فرق الغناء والموسيقى ، في الليلة التي كانت أمها على سرير الموت في غرفة الإنعاش ، تجود بأنفاسها الأخيرة ، ترفرف روحها وليس حولها واحد من بنيها يودعها الوداع الأخير .

    ولسان حالها يقول :


    طاب الغناء وطاب الرقص والسمر ---- والسعد من حولكم يشدو به القمر

    تمتعوا بنعيم زائل وأنا ---- في قبضة الموت والأنفاس تعتصر

    أحبتي أين أنتم حين داهمني ---- موتي ورفرف في أعصابي الكدر

    أما سمعتم ندائي حين أرسلَه---- قلبٌ على جمرة الآهات ينصهر

    يا ويحكم شغلتكم عن مرافقتي---- في لحظة الموت عينُ اللحن والوتر

    تلفت القلب لم يبصر لكم أثرا ---- وعاد يبكي ونار الحزن تستعر

    أكان لابد أن أقضي وفي كبدي ---- سهام نكرانكم كالشهب تنهمر

    لو اشتكى بعضكم إذ كنت بينكم ---- من شوكة كاد قلبي عنه ينفطر

    وها أنا مت وحدي لم تمد يد ---- إلى يدي إذ دنا من نبضها الخصر

    أظنكم قد مللتم من مرافقتي ---- وبعضكم لرحيلي كان ينتظر

    فها أنا مت فاشدوا وارقصوا طربا ---- كأنما لم يكن لي بينكم أثر



    الله أكبر .. حوادث تقطع نياط القلوب ، وتضج من هولها الفضيلة ، وتئن منها الإنسانية الكريمة .
    آه يــا ولدي .. أين هؤلاء من وعيد الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح ( لا يدخل الجنة قاطع ) ، بل أما قرءوا يوما قول الله جل وعلا { وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنْ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ(14) لقمان} .
    أيها الشباب : يا من تعيشون عنفوان صحتهم اليوم ، أدعوكم أن تمدوا النظر إلى غد ، إذا أطال الله العمر ، وضعف البصر ، واحدودب الظهر ، ورجفت الأطراف ، وجاء زمن الوفاء ، وتقاضي الدين ، فهناك هنيء البارين بالبر ، وذكر العاقين بالعقوق ، أيها الشباب : من قلوب الآباء .. ومدامع الأمهات .. أكمل إليكم مقاطع الشكوى ، ومجامر الآلام ، علنا نتعظ قبل أن يفوت الأوان ، نعم إن حال بعض الآباء يقول : ( آه يــا ولدي .. يا فلذة من كبدي ، لقد سمعت أن الحسين بن علي قال : ( لو علم الله شيئا من العقوق أدنى من( أف ) لحرمه !! ) ، فلماذا أُسْمِعُكَ أحسن الكلام وتسمعني أسوأه ، أراعي مشاعرك ، وأنت لا ترعى شيخوختي وأبوتي لك ، ينهاك الله تعالى عن قول { أف } و أنت لا تبقي كلمة سخرية واحتقار إلا أسمعتني وأمك إياها ، ولا تكاد تسمع منا نصيحة أو توجيها إلا رددت علينا من كلامك القاسي ما نكره معه الحياة و نتمنى أن لا ولد لنا ، أتدل علينا بوظيفتك الراقية ؟ أم تتكبر بجاهك ومالك ومركزك ؟ أنسيت أن الفضل لنا عليك بعد الله في ذلك كله ؟ أم أتريد أن تكون ممن يُصَبِّحُ والده ويمسيه بقوله : ( أراحنا الله منك وأخذ عمرك ) ، ولسان حال الوالد يقول : أريد حياته ويريد موتي .
    يا ولدي ..لقد أحرقت قلبي بتفضيل زوجتك على أمك ، بتفضيل من نعمت بشبابك دون أن تبذل من أجله قطرة عرق ، على من صنعت شبابك من شبابها ، نعم .. إني لا أرغب أن تُهين امرأتك وهي صالحة ، فإن سعادتها سعادتُك ، وإن سعادتك من أغلى أمنياتي في هذه الحياة ، ولكني أستكثر عليك أن تضعها في ميزان يرجح في نفسك على أمك ، فتقدمَ كلمتها على كلمة أمك ، وتبدأَ بحاجتها قبل حاجة أمك ، و أعيذك أن تَسمح لها أن تغتاب أمك عندك ؛ لتغير عليها قلبك .
    ولا تستكثر حبك لوالديك وشفقتك عليهما ، فإنه مهما بلغ ذلك منك فلن يصل إلى حد حبهما لك ، وإني لحاكٍ لك حادثة روتها كتب الأخبار فاستمع برهافة حسك وشغاف قلبك : كان أمية الكناني من سادات قومه ، وكان له ابن اسمه ( كلاب ) قدم المدينة في زمن عمر رضي الله عنه ، فسأل أي الأعمال أفضل ؟ فأجيب بأنه الجهادُ في سبيل الله ، فسأل عمر فسيره في غزو فارس ، فقال أبوه أمية : يا أمير المؤمنين هذا اليوم من أيامي لولا كبر سني ، فقام إليه ابنه كلاب - وكان عابدا زاهدا - فقال : لكني يا أمير المؤمنين أبيع الله نفسي وأبيع دنياي بآخرتي ، فتعلق به أبوه ، وقال : لا تدع أباك وأمك شيخين ضعيفين ، ربياك صغيرا ، حتى إذا احتاجا إليك تركتهما . فقال : نعم تركتهما لما هو خير لي . فخرج غازيا بعد أن أرضى أباه ، وكان أبوه في ظل نخل له ، وإذا حمامة تدعو فرخها ، فرآها الشيخ فتذكر ولده فبكى ، فرأته العجوز فبكت .

    وأنشأ يقول :


    لمن شيخان قد نشدا كلابا ---- كتاب الله لو قبل الكتابا

    إذا هتفت حمامة بطن وجٍ ---- على بيضاتها ، ذكرا كلابا

    تركت أباك مرعشة يداه ---- وأمك ما تسيغ لها شرابا

    فإنك والتماسَ الأجر بعدي---- كباغي الغيث يتبع السرابا



    ثم ضعف بصره بعد ذلك ، فدخل على الفاروق يشتكي له حزنه على ولده ، وشدة اشتياقه إليه ، فكتب عمر برد كلاب إلى المدينة ، فلما قدم عليه ، قال له عمر : ما بلغ من برك بأبيك ، قال كنت أوثره ، و أكفيه أمره ، وكنت إذا أردت أن أحلب له لبنا أجيء إلى أغزر ناقة في إبله فأريحها ، وأتركها حتى تستقر ، ثم أغسل أخلافها ( يعني ضروعها ) حتى تبرد ، ثم أحلب له فأسقيه .
    فبعث عمر إلى أبيه فجاءه فدخل عليه وهو يتهادى ، و قد انحنى ، فقال له : كيف أنت يا أبا كلاب ؟ فقال له : كما ترى يا أمير المؤمنين .
    فقال : يا أبا كلاب ما أحب الأشياء إليك اليوم ؟
    قال : ما أحب اليوم شيئا ! ما أفرح بخير ، ولا يسوؤني شر .
    فقال عمر : بلى على ذلك .
    قال : بلى ، كلاب أُحب أنه عندي ، فأشمه شمة ، وأضمه ضمةً قبل أن أموت ، فبكى عمر وقال : ستبلغ ما تحب إن شاء الله تعالى .
    ثم أمر كلابا أن يحلب لأبيه ناقة ، كما كان يفعل ويبعث بلبنها إليه ، ففعل وناول عمرَ الإناء ، فناوله عمرُ الوالد وقال له : اشرب يا أبا كلاب ، فأخذه ، فلما أدناه من فيه ، قال : والله يا أمير المؤمنين إني لأشم رائحة يدي كلاب ، فبكى عمر ، وقال له هذا كلاب عندك ، وقد جئناك به ، فوثب إلى ابنه ، وضمه ، وجعل عمر والحاضرون يبكون ، وقالوا لكلاب :الزم أبويك ، فجاهد فيهما ما بقيا ، ثم شأنك بنفسك بعدهما ، فلم يزل مقيما عندهما حتى ماتا .
    ولدي الحبيب.. إن الحديث ذو شجون ، وإن ما في خاطري نحوك لم ينفد ، وإني لأرجو الله أن يهديك للبر والخير ، واعلم أن أحب شيء إلي أود أن يقع منك عاجلا أن تقلع عن المعاصي فهي أعظم ما يسوؤني منك ، وأن تشرح صدري بإقبالك على طاعة الله ، فهي أعظم ما يسرني منك ، وإن الطاعة لكفيلة أن تدلك على البر بي وبأمك ، و أسأل الله تعالى أن يحقق لك موعود رسوله صلى الله عليه وسلم حين قال من سره أن يمد له في عمره ، ويزاد في رزقه فليبر والديه ، وليصل رحمه ) رواه أحمد . وأن يقر عينك ببر أولادك لك .
    ولا تنسني يا ولدي إذا وسدتني التراب ، فزر قبري ما استطعت ، وادع الله لي واستغفر ما حييت ، وأكرم أمك وإخوتك من بعدي ، وصل رحمي ، وزر صديقي . وفقك الله في دنياك ، وأحسن عاقبتك في أخراك ، ورضي الله عنك وأرضاك ..
    ثم صلوا وسلموا على معلم الناس الخير سيدنا ونبينا محمد كما أمركم الله جل وعلا بذلك فقال سبحانه : { إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا(56)الاحزاب } اللهم صل وسلم وزد وبارك على عبدك ونبيك محمد وعلى آله وصحبه والتابعين ، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين والصحابة والتابعين ، وعنا معهم برحمتك وفضلك ومنك يا أكرم الأكرمين .
    اللهم يا عزيز يا حكيم أعز الإسلام والمسلمين وانصر إخواننا المجاهدين وارفع البأس والظلم والجوع عن إخواننا المستضعفين ، اللهم آمنا في أوطاننا ، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا ، ووفقهم لإصلاح رعاياهم ، اللهم أيدهم بالحق وأيد الحق بهم ، واجعلهم هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين ، سلما لأوليائك حربا على أعدائك .
    اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك ، وأغننا برحمتك يا حي يا قيوم ، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين واجعلنا من أهل جنة النعيم برحمتك يا أرحم الراحمين .وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .




    [align=center]ألفية القاموس............... خاص لــ(( كل معرس وعروس)) [/align][/align]

  14. #14
    الصورة الرمزية ABU MUSAB
    تاريخ التسجيل
    24-01-2006
    المشاركات
    1,568
    معدل تقييم المستوى
    10

    افتراضي

    الله يجزاكـ الجنه

  15. #15
    الصورة الرمزية ابوالبراء تميمي
    تاريخ التسجيل
    31-07-2005
    العمر
    26
    المشاركات
    936
    معدل تقييم المستوى
    10

    افتراضي

    الله يكتب لك الأجر

صفحة 1 من 5 1 2 3 4 5 الأخيرةالأخيرة

إحصائيات الموضوع

Users Browsing this Thread

يوجد حالياً 1 يشاهدون هذا الموضوع. (0 أعضاء و 1 ضيوف)

مواقع النشر (المفضلة)

مواقع النشر (المفضلة)

تعليمات المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
مساحة خاصة